الخميس، 28 يناير، 2016

رواية الدائرة "الفصل 3\ 4"



تنويه:لن يتم نشر الرواية كاملة بل الحلقات الاولى فقط

               3

أميرة بجانب خطيبها في سيارته.. تشع عيناهما بالسعادة، تسأله أميرة عن التفاصيل في يومه.. وتؤكد عليه موعد خروجها من الكوافير.
- حبيبتي.. كفاية توتر، أنا عملت كل اللي قلت عليه.. كل حاجة ناقصة في الشقة وديتها، ومكنش ناقص إلا حاجات بسيطة يعني.. مش هتأخر على معاد الكوافير وهتلاقيني عندك قبل ما تخلصي.. متقلقيش بقى.
- تفتكر هطلع حلوة.. بص كان فيه حباية هنا على خدي الشمال.. باينة.
يدقق خطيبها النظر في خدها.. وبلهجة جدية:
- إيه ده؟؟
تنتفض أميرة وتقترب من مرآة السيارة:
- ايه باينة؟
- لا.. انا اقصد ايه ده القمر ده!
تضربه أميرة على كتفه برفقٍ وهي تضحك:
- كده.. خضيتني.
- لا متتخضيش.. حبيبتي زَي القمر وهتبقى أحلى عروسة.
يقف بالسيارة أمام الكوافير.. تودعه أميرة بابتسامة ويودعها على وعدٍ باللقاء بعد ساعات.
*  *  *
في حفل الزفاف.. كانت أميرة تبدو ملكة متوجة على عرش الحب، تزينها نظرات الحب المتبادلة بينها وبين زوجها أكثر مما تزينها مساحيق التجميل وفستان الزفاف.
يدها متشابكة بيدِ زوجها لا تفترقان إلا عند مصافحة المهنئين ويعودان للتشابك مرة أخرى، كالطير الذي يعود متلهفًا لفرخِه.
نظرات عينيهما تتلاقى بين الحين والآخر وكأن الأصل هو الالتقاء والالتفات للمدعوين هو الدخيل عليهما.
                             
على طاولة قريبة، يجلس صلاح وسلمى تتوسطهما فرح، يهمس صلاح في أذن فرح:
 - عقبالنا زيهم .
تضحك فرح متمنية تتويج حبها بالزواج مثل صديقتها:
 يارب.
تتشابك يداهما وتتسارع ضربات القلوب من شدة الحب.

سلمى الأكثر أناقة وجمالًا في الحفل.. تلتفت يمينا فتجد أميرة وزوجها يرقصان في حُبٍّ وسعادة، تلتفت يسارا فتجد فرح وصلاح والهمسات والابتسامات ترتسم على شفتيهما.
يشتعل الحب حولها حتى شعرت أن الفضاء حولها يملؤه قلوب حمراء.
يشتعل قلبها بنار الغيرة .. الحب حولها ولا تجد لنفسها نصيبًا.. تدخن بشراهة .. عادة سيئة اكتسبتها مؤخرًا.. تحرق السيجارة كما تحترق أعصابها..
تتساءل: لِم هي الوحيدة؟ وصديقتاها لكل منهما رَجلها وحدها؟! أما هي، فالوحيدة التي تتعلق ببقايا رجل..
تُقرب سيجارتها من فمها.. تلتمع دبلتها الماس أمام ناظريها.. تردد وهي تحبس دموعها وتتحكم في عدم نزولها:
"مفيش حاجة ببلاش"

             *  *  *

بعد انتهاء حفل الزفاف في ساعات الصباح الأولى، تنحت فرح بسلمى جانبًا:
- مالك يا سلمى؟
- مالي؟
- شايفاكي قاعدة سرحانة وبتشربي سجاير كتير أوي .. مش عادتك يعني؟
- إنتي لاحظتي إمتى.. أنا شايفاكي مش دريانة بالدنيا وانتي وصلاح في دنيا تانية.
- لا طبعًا اخدت بالي بس معرفتش اسألك قدام صلاح.. مالك؟
- متاخديش في بالك.. عادي.
- إحكي لي.
- مش وقته.. ومفيش جديد شوية نكد من كامل وخلاص .. اتعودت.
لم تجد فرح أي كلام تواسي به صديقتها.. فقد حذرتها من قبل من زيجتها، ولكن سلمى لم تستمع للنصائح.
غادرت سلمى.. وطلبت فرح من صلاح أن يقود السيارة بدلًا منها.
            *  *  *
فتحت فرح باب الشقة وأغلقته بهدوء حتى لا تزعج والديها النائمين في هذه الساعة المتأخرة.

فُتِح نور الصالة فجأة.. انتفضت.. وجدت والدها أمامها يصرخ بأعلى صوته:
- جاية تتسحبي كده ليه يافرح؟
ردت بعد أن استوعبت المفاجأة:
- مش بتسحب انا بس فاكراكم نايمين.
- وإيه اللي مخلّي الزفت ده يركن عربيتك وينزل منها.. قبل ما تنكري أنا كنت واقف وشفتكم.
جاءت والدتها وأم صابر تهرولان على صوت صراخ محمد.
ردت فرح على والدها بصوت مختنقٍ:
- أنا مقلتش إني جاية بدري وحضرتك عارف اني في فرح اميرة.. وصلاح كان معايا ولو سألتني قبل ماتزعق كنت هقول الحقيقة مش هكذب.. يابابا صلاح بقاله شهور بيطلبني منك وكل مرة تقوله حجة شكل .
- مش هتتجوزيه يافرح.
لم تستطع فرح أن تحبس دموعها أكثر من ذلك، ردت وهي تبكي:
- ليه.. مش هتجوزه ليه؟ أنا بحبه وهو بيحبني.
اقتربت منها أم صابر تهدئها:
- تعالي يا فرح.. مش وقته.
أما والدتها فتدخَّلت:
- بالراحة يامحمد.. الكلام ميبقاش كده.
- أنا ليه اجوّز بنتي الوحيدة لواحد طمعان فيها.. ليه.. إيه اللي يجبرني على كده؟
- يابابا طمعان في إيه بس.
- في فلوسى اللي هتبقى فلوسك.. إنتي مش شايفاه كحيان هو وأهله.
- طيب انا وهو مش عايزين منك أي مساعدة.. وافق بس اننا نتجوز.. مش عايزين أكتر من كده .
محمد ناهيًا كلامه بحسم:
- مش هتتجوزيه يا فرح.. هتتجوزي واحد من مستوانا يليق بيكي وبيا.. مش هرمي فلوسي وشركتي اللي تعبت فيها لواحد ضحك عليكي بكلمتين حب.

*  *  *






               4
بعد خمس سنوات

في هذا المكتب الفسيح.. ذي الأثاث الراقي، تجلس فرح على مقعدها الوثير.. تقلب أوراق أمامها، تسمع طرقات الباب.. ترفع عينيها في انتظار دخول سكرتيرتها أو أحد موظفي الشركة.. يُفتح الباب.. يدخل عماد ويجلس أمامها:
- خلّصتى؟
ترد باقتضاب:
- إنت رجعت على الشركة ليه ومروّحتش من برة برة؟
- رجعت علشان نروّح مع بعض .
- النهارده الخميس وانا هتغدا عند ماما.. إيه اللي اتغير؟
- هو فيه مشكلة لو جيت معاكي عند مامتك؟
ردَّت وهي تلملم أوراقها في ملف.. وأشياءها الخاصة تضعها في حقيبتها:
- أبدًا ولا مشكلة ولا حاجة.. عايز تيجي تعالى.
هبَّ عماد واقفًا.. سار بجوارها وهي متجهة للباب..
التفتت له:
- إشمعنى النهارده؟
- مالك يافرح.. بقالك فترة كده متغيرة معايا؟
- متغيرة في ايه؟
- بتبعدي عنِّي.. مبقيناش زي الأول.
- إحنا في الشركة ياعماد.. لينا بيت نتكلم فيه.
- ماشي يا فرح.. لازم نتكلم واعرف مالك متغيرة كده ليه.
*  *  *

في منزل والدة فرح.. يجلس ثلاثتهم على السفرة لتناول الغداء..
زينب:  منور ياعماد.. إعزمي على جوزك يا فرح.
فرح: أجيبلك حاجة؟
عماد: لأ شكرًا.
وبابتسامة متوددة من عماد لحماته:
- طنط.. عايز اشتكي لك من فرح.
 اندهشت فرح.. تركت الشوكة من يدها باستياء:
- تشتكي من إيه؟
تجاهل عماد كلامها.. أكمل لحماته:
- فرح مش راضية تبطل حبوب منع الحمل.. من أول يوم جواز وهي بتاخدها وانا نفسي اخلّف.
زينب باستغراب:
- ليه كده يافرح؟؟ فيه واحدة في الدنيا منفسهاش تبقى أُم؟
- لأ طبعًا ياماما نفسي وكل حاجة.. بس مستنية شوية.
عماد: مستنية إيه.. وهتستنى لإمتى؟؟ لحد ما متلحقيش تخلّفي
استاءت زينب من كلامه، شعرت أنه يريد تذكرتها بأن ابنتها تخطت الثلاثين وربما قد تصل بعد بضع سنين إلى سنٍّ تفقد فيه قدرتها على الإنجاب.. مشاعر متداخلة من الضيق لأنها ابنتها والتسليم بالحقيقة.. فهو لم يكذب ومن الطبيعي أن تتخذ قرار الإنجاب قبل فوات الأوان .. لا أن تؤجله.. وردت عليه زينب:
- إيه الكلام ده ياعماد؟ هي لسه صغيرة مش كبيرة للدرجة دي علشان تقولها كده.
تراجع عماد وتكلم بابتسامة بعد إحساسه بضيق زينب:
- طبعا يا طنط.. أنا بس نفسى نخلف عيل واتنين وهى لسه صغيرة كده.
غيرت فرح الموضوع:
- داداااااا.. اعملي لي قهوة لحد ما اغسل إيدي.
تركتهما فرح وذهبت للحمَّام.
مال عماد على حماته.. وبصوتٍ هامس:
- شايفة.. أهي اتقمصت.. بقالها فترة كلامها قليل معايا ومتغيرة وانا مش عارف مالها.
- ما انت أكيد زعلتها.. بنتي وانا عارفاها لما بتزعل بتخبي ف نفسها.
- والله ما عملتلها حاجة.. أنا مِلك إيديها وبحبها ومش عايز يبقى بيننا أي مشاكل.

صوت خطوات فرح عائدة من الحمَّام.. نهض عماد:
- طيب انا نازل مش عايزين حاجة؟
ردَّت عليه والدة فرح:
- ما تقعد يا ابنى
- عماد معلش.. هروح ازور ماما وبعدين هروح لاصحابي.. هتروّحي إمتى يا فرح؟
- زي كل خميس .. بعد ما اقابل البنات في النادي.
            *  *  *
فرح في حجرتها في بيت والدتها.. على السرير، متكئة على وسادتين وبين يديها ألبوم صور
تقلِّب بين طياته وتتذكر طفولتها السعيدة بين والديها.. يقاطعها دخول زينب.. وجلوسها على حافة السرير، تُعدل فرح من جلستها.. لتصير جالسة أمام والدتها.
أخذت زينب الألبوم.. نظرت للصور.. وبتنهيدة عميقة: الله يرحمه.
ردت فرح تأكيدًا:
- الله يرحمه .. مش ناوية يا ماما تسمعي كلامي بقى؟
- على إيه؟
- أشوف لك شقة جنبي بدل هنا.
- وانا إيه اللي يوديني حتة معرفهاش وسط ناس معرفهمش.. أنا مش هسيب بيتي يا فرح.
- هتعملي زي بابا الله يرحمه برضو.. البيت هنا قديم وانا عايزاكي تيجى جنبي.
- مش انتي بيتك في الحتة اللي اخترتيها.. خلاص سيبيني براحتي، أنا مبسوطة هنا.
وبنبرة جدية.. أكملت:
- قوليلي بقى يا فرح.. مالك؟؟ مانعة الخلفة ليه؟
وبصوت صادق ردَّت فرح:
- مش مانعاها.. أنا بس مأجلاها .
- ليه؟؟ عماد معاه حق.. هتخلفي إمتى وانتي عديتي التلاتين؟
تضحك فرح لتختصر الكلام في ما لا تريد:
- مكبرتش أوي يعني.
نظرت لها زينب في عينيها مباشرة.. بعدت فرح نظراتها عن والدتها:
- عماد معاه حق
انتبهت فرح لكلامها:
- في ايه؟
- انتي متغيرة.. مالك؟ مخبية إيه عني؟
دمعت فرح.. احتضنتها زينب بحنان:
- مالك؟؟؟ طمنيني مالك؟
- مخنوقة ياماما .
- من إيه يا حبيبتي.. احكي لي.
 مسحت فرح دموعها .. قامت تنظر في المرآة:
- شفتي الماسكرا هببت عيني.
- متتهربيش يا فرح.. بلا ماسكرا بلا زفت .. إحكي لي مالك؟
فرح تحاول البحث على مبرر:
- أبدًا.. هو بس بيزن على الخلفة وانا مش عايزة دلوقتي.
- ليه؟
- علشان الشركة ياماما.. هتلبخ بعيال ومين يخلي باله من شركة بابا الله يرحمه.
- ياسلاااام.. ما كلها موظفين يقدروا يمشوها لو حتى غبتي سنة.. وقلقانة ليه مش جوزك عارف شغل الشركة ويقدر يراعيها ف غيابك؟
- أه عارف.. بس .. 
- بس ايه.. انتي مبسوطة مع جوزك؟
- الحمدلله
- صوتك وشكلك بيقول غير كده؟؟  
فرح بتتنهُّد:
- حاسة اني اتسرعت في الجوازة دي.
- ليه؟
- محبيتوش وبفكر اطلب الطلاق.
صرخت الأم :
- يعني إيه محبيتهوش.. انتى حد غصبك عليه ولا عرفتي ان صلاح رجع؟
قطعت زينب كلامها.. تلاقت نظراتهما لحظة وكل منهما لديها الكثير من الكلام.. كل منهما مترددة .. هل تكمل الحديث أم تتوقف.




رواية الدائرة



بمناسبة بدء معرض القاهرة الدولى للكتاب... انشر الفصول الاولى من رواية الدائرة والمتوفرة حاليا بمعرض الكتاب والمكتبات "لن يتم نشر الرواية كاملة ولكن الفصول الاولى فقط كدعاية للرواية"

             الدائرة
             ــــــــــــ

               1
وقفت فرح أمام مرآة حجرة نومها بعدما أتمَّت ارتداء ملابسها، مدت يديها نحو أحمر الشفاه، ولكنها تراجعت .. نظرت لنفسها في المرآة، لم تجد دافعًا يجعلها تتزين؛ خاصة أن الساعة لم تتجاوز العاشرة صباحًا.. صففت شعرها ذيل حصان وأخذت هاتفها المحمول ومفاتيح سيارتها وخرجت من غرفتها.
مرت بردهة طويلة حتى وصلت للمطبخ.
-صباح الخير يادادة
 -صباح الفل يا نور عيني.. هحضرلك الفطار.
- لأ يدوب ألحق اروح المطار مش عايزة اتأخر .
- طيب اعملك ساندويتش تاكليه ف العربية.
ضحكت فرح:
- كبرت على حكاية السندوتشات دي .. أنا عندي 26 سنة.
- هتفضلي برضو بنتي الصغيرة.
 - طبعًا يادادة.. ماما فين؟
- مدخلتيلهاش .. قاعدة في البلكونة بتشرب القهوة.
- طيب هروح اصبّح عليها وانزل.
عادة والدة فرح لم تغيِّرها منذ سنوات طويلة؛ تشرب قهوتها الصباحية في الشرفة، بجوارها راديو "ترانزستور" تتابع من خلاله فقرات برنامج إلى ربات البيوت وما إن ينتهي تبدأ الإشراف على أعمال المنزل.
دخلت فرح البلكونة لوالدتها.. كانت تهم بالنهوض بعدما أغلقت الراديو.
- صباح الخير ياماما.. ابلة فضيلة خلصت؟
- صباح النور.. أه لسه خالصة حالًا.
- يااااه من زمان مسمعتهاش.
- ابقي قومي بدري وانتي تسمعيها.
- ما انا قمت بدري اهو.. أنا نازلة.
- خلي بالك من الطريق وسوقي على مهلك.
- حاضر .
خرجتا معًا من الشرفة.. وصلت فرح للباب وعندما فتحته:
- دادة.. متعمليش حسابى على الغدا .
سألتها والدتها:
- ليه؟
- ماما انتي نسيتي.. النهارده فرح أميرة.
- ما انا فاكرة.. انتي هتروحى كده بالجينز؟
- مش لسه هوصّل بابا.. لما ارجع هاخد الفستان واروح الكوافير لأميرة، وسلمى هتقابلنا هناك، ونبقى نجيب أي حاجة خفيفة.
- طيب.. عقبالك يا حبيبتي .. نفسي افرح بيكي بقى
ردت فرح بانكسار:
- قولي لبابا متقوليليش انا.
صمتت والدتها ولم تعلق فرح.. تعلم كلتاهما أن الصمت عجزٌ.. ومن بيده الأمر هو فقط من يستطيع الكلام.

              *  *  *

جلست فرح في سيارتها.. أدارت المحرِّك وتحركت في اتجاه المطار لاستقبال والدها، رنَّ تليفونها.. ردت.. أتاها صوت صلاح:
- صحيتي؟
 طبعًا.. مش قايلالك رايحة اجيب بابا من المطار.
- مكلمتنيش ليه؟
- كنت لسه هكلمك اهو.. عملت إيه جهزت نفسك؟
- هجهز نفسي اعمل ايه يا فرح يعني هروح اجيب فستان ولا اروح للكوافير زيكم.
ضحكت فرح:
- طيب متتأخرش عليا بالليل .
- وانا اقدر اتأخر عنك أبدًا.. ده انتي بتوحشينى قبل ما ابعد عنك.
- آآآه ياقلبى هيغمى عليا.. مقدرش ع الكلام الحلو ده .
- لا الله يخليكي ركزي في طريقك علشان ترجعيلي بالسلامة .
- حاضر متقلقش انت بس .
- سلام يا فرحتىي.
- مع السلامة يا حبيبي
أنهت فرح المكالمة، وقامت بتشغيل كاسيت السيارة، ورددت مع الأغنية بمنتهى العشق والهيام:
" أنا أنا أنا بعشقك "
           *  *  *

استقبلت فرح والدها باشتياقٍ .. ضمَّها إليه وهو يقبِّلها:
- وحشتينى يافرح .
- وانت يابابا.. حمدالله على السلامة.
- الله يسلمك يا حبيبتي.
تقدمت فرح في اتجاه صديق والدها ومدت يدها تصافحه:
- حمدالله على السلامة يا انكل.. إنتوا كنتوا مسافرين مع بعض ولا إيه؟
صافحها محمود كارم صديق والدها:
- اتقابلنا صدفة هناك فاتفقنا نيجي مع بعض.

أنهوا إجراءات الوصول.. وصل ثلاثتهم للسيارة.
سألت فرح  محمود:
- انكل محمود حد جاي يوصلك ولا تيجي اوصّلك.
- أنا مقلتش لحد معاد وصولي.
فردَّ والد فرح:
- خلاص يبقى نوصلك معانا .
أثناء طريق العودة.. توجَّه والد فرح لها بالسؤال:
- أخبار الشركة إيه؟
- كويسة الحمد لله.
- رُحتي؟
- لأ.. كلمتهم في التليفون واتطمنت ان كله تمام.
علق محمد والد فرح موجهًا حديثه لمحمود:
- إتفضل يا سيدي.. بنت محمد الديب بتتصل تطمن على الشركة بالتليفون.
فردَّ محمود موجهًا كلامه لفرح:
- صحيح يافرح.. ليه مبتشتغليش مع بابا؟
- مش عايزة اشتغل يا انكل.. أنا مبسوطة كده.
فعلق والدها:
-أهو ده عيب البنات.. لو كان عندي ولد كان زمانه شايل الشغل كله.
نظرت فرح لوالدها وحدثته معاتبة:
- كده يا بابا.. يعني الولد أحسن من البنت؟
- الولد كان هيشتغل ويكبّر إسمي في السوق يا فرح.. لو انتي تقدرى تعملي كده انزلي معايا وساعديني وخليكي راجل في السوق .
محمود: صح يا فرح.. إنزلي ساعدي بابا.
ردت فرح مازحة:
- أنا لو نزلت السوق هنافسك.. مش كفاية بابا عليك.
ردَّ والداها:
- أنا ومحمود اصحاب بصرف النظر عن المنافسة.. إنزلى انتي الشغل بس وهو راضي بإنك تنافسيه.. مش كده يا ابو طه .
- بقولك ايه.. مادام شايفة نفسك منافسة قوية تعالي اشتغلي معايا، وانا وانتي ننافس ابوكي
- لأ شكرًا.. أنا مش عايزة اوجع دماغي بالبزنس.
محمد: خليكي كده مع سلمى وأميرة اللي طول وقتك معاهم.. بس ياترى بعد ما الاتنين اتجوزوا هيبقوا فاضيين لك؟
محمود: خلاص يا ستي مادام مش عايزة تشتغلي يبقى نقول عقبال ماتتجوزي زي صاحباتك .
ردت فرح وهي تنظر بطرف عينيها لوالدها:
- إن شاءالله.. قريب بإذن الله.
رد والدها بحسم وهو ينظر لها:
- لما ييجي اللي يستاهلك ويقدّرك.. إنتي متتجوزيش أي حد.
أكملت فرح الطريق دون أن تنبس ببنت شفة، وكل ما يشغلها كيف يمكنها إقناع والدها بصلاح.. قلبها يخفق بشدة من الحب والقلق معًا، ولكنها حسمت أمرها بداخلها: "مش هتجوز غيره مهما بابا عمل"

                                                                                                               
*  *  *



                   2

نهضت سلمى من فراشها لتجلس وتُعدل من قميص نومها وتلملم شعرها في عجلة وكأنها تريد الابتعاد بأسرع ما يمكن.
أما زوجها فكان مازال بجانبها تتلاحق أنفاسه إثر المجهود الذي بذله.رغم أنها دقائق معدودة لا تشبع فتاة العشرينات إلا أنها تعد بالنسبة لمن تجاوز الستين من عمره ويعاني من بعض الأمراض التي يستقبل بها شيخوخته، كمن قضى الساعات في سباق طويل للجري.

تجاهلت سلمى وجوده وذهبت للحمَّام، وأخذت حمَّاما اختلطت فيه دموعها الساخنة بمياهه الباردة. أنهت حمَّامها وارتدت ملابس الخروج وذهبت مسرعة لتدخين سيجارة لعلها تهدأ من أعصابها المحترقة. خرج زوجها بعد انتهائه من حمَّامه وارتدائه كامل ملابسه.
- كل دي سجاير شربتيها في الربع ساعة دي؟
لم تعلق وظلت صامتة تنفث دخان سيجارتها في فضاء شقتها الفسيحة الخالية من أي مظهرٍ من مظاهر الحياة.
سألها:
- إنتي لابسة كده ليه؟
- مش انت عارف ان النهارده فرح أميرة صاحبتي.. وانا رايحة معاها للكوافير.
سألها وهو متجه للباب:
- طيب انا نازل مش عايزة حاجة؟
ردت بلا مبالاة:
- هعوز ايه يعني ..
التفت لها وسألها:
- مالك يا سلمى.. مبوزة كده وبتتكلمي بقرف.. لو محتاجة فلوس قولي.
- إنت مش مخليني محتاجة فلوس.. بس انا محتاجة راجل.
غلى الدم في عروقه وسألها منفعلًا:
- تقصدي إيه؟
نهضت من مكانها واقتربت منه وأجابته برجاء:
- مقصدش حاجة.. أنا قصدي محتاجة جوزى جنبي .. إن شالله حتى يومين في الأسبوع بس يبقوا ثابتين بتوعي.. أنا مراتك وليا حق تعدل بيني وبين مراتك الأولانية .. أنا مش طالبة العدل، بس يومين تبقى معايا قاعدين مع بعض.. ناكل ونشرب مع بعض.. إن شالله حتى نتخانق مع بعض بس يبقى فيه حياة.. أنا الوحدة ضايقتني وخنقتني وزهقت.
ربت على كتفها:
- مالك بس يا حبيبتي.. إعقلي كده واحنا م الأول متفقين ان مراتي مينفعش تحس بحاجة.. بس اوعدك قريب هبقى اجي ابات معاكي يوم .
 - إمتى؟
- حسب التساهيل.. وبعدين زهقتي من إيه.. إنتي بتروحي بيت أهلك وقت ماتحبي .. بتخرجي مع اصحابك وقت ما تحبي.. يبقى فين الزهق ده؟
أدركت سلمى أن الحديث معه كالعادة دون جدوى.. صمتت في استسلام.. تركها وخرج.
شعرت بالدم يغلي في عروقها، ولكن ما باليد حيلة.
نظرت على مدى بصرها في الشقة التي لم تكن تحلم بأنها ستمتلك مثلها؛ أثاث.. تحف.. أجهزة للترفيه لم تحلم يومًا بأن تراها لا أن تمتلكها.
رددت في صمتٍ: "مفيش حاجة ببلاش.. هو ده تمن شبابي".
رنَّ تليفونها.. وجدت أنها فرح.. ردَّت:
- ألو.. أيوة يافرح انتي فين؟؟ لا انا لسه في البيت.. لالا جاهزة مسافة السكة واكون عندك.
سكتت لحظات وأكملت:
- بصي هروح مشوار في السريع كده واجي لكم على الكوافير.. مع السلامة.
دخلت حجرة نومها.. فتحت "دولاب" ملابسها.. أخرجت الفستان الذي اشترته خصيصًا لحضور حفل الزفاف.. أمسكته بين يديها ثم أعادته "للدولاب" مرة أخرى.
*  *  *
وقفت سلمى أمام مجموعة من فساتين السهرة.. بعد تفكير قليل.. اختارت أكثرهم أناقة وإثارة، واشترت الإكسسوارات اللازمة له، وذهبت وهي راضية ليس رضاها عن الفستان بحسب.. بل على آلاف الجنيهات التي سحبتها من حساب زوجها لتدفع ثمن الفستان، وكأنها تنتقم من إهماله مشاعرها بتغريمه المزيد من المال.


*  *  *

غدا ان شاءالله نستكمل الفصل 3

الاثنين، 14 ديسمبر، 2015

تحت سقف واحد الجزء الثانى



يصدر قريبا عن دار الرسم بالكلمات رواية تحت سقف واحد ل \دينا عماد
(اعادة صياغة الجزء الاول"الالكترونى" مع اضافة جزء ثانى للاحداث)
قريبا بالمكتبات ومعرض القاهرة الدولى للكتاب 2016

مشهد من الرواية:
بالفعل، كما وعدها، لم يتأخر ياسر.. عاد يحمل أكلاً يكفى لأيّام مقبلة وفاكهة وحلوى وشيكولاتة وباقة من الزهور.
دخل المنزل، وضع ما يحمله على طاولة فى الصّالة، ودخل ليطمئن على شيرين:
«شيرين».
ردت بصوت خامل:
«جيت؟».       
- «أيوه.. عاملة إيه دلوقتى؟».
- «الحمد لله».
- «مش عايزة حاجة لحد ما أحضّر الأكل؟».
بكت بصمت وهى تهز رأسها نفيًا.
خرج ياسر مسرعًا.. أعد الطّعام الذى اشتراه فى أطباق، وغسل الفاكهة، ووضع باقة الزهور على نفس الطّاولة..
نظر للمائدة برضا ثم دخل لـ«شيرين».. مدّ يده يسندها:
«يلّا قومى».
- «أقوم إيه؟ مش قادرة أقف، أنا ما صدقت جيت لسريرى».
- «ما إنتى لازم تاكلى علشان تقدرى تقَفى».
- «لو لازم هات لى آكل هنا».
- «لا، معلش.. تعالى نقعد بره وناكل مع بعض».
ساعدها فى النّهوض من السّرير.. وما إن وضعت قدميها على الأرض حتى زاد الدّوار فجأة وترنّحت، ولولا أن ياسر أحكم ذراعيه حولها لكانت سقطت على الأرض.
انهمرت دموعها مرة أخرى بعد إحساسها بالعجز ولو للحظات:
«مش قُلت لك مش قادرة؟».
انحنى ياسر وحملها فى حركة مباغتة:
«مش هتقدرى، بس أنا أقدر أشيلك».
وجدت نفسها تضحك رغمًا عنها ورغم الدّموع التى كانت تملأ عينيها.. قالت بحذر وخوف:
«بس يا ياسر؛ هقع».
- «تقعى إيه بس، هو انتى فيكى حاجة؟».
خرج بها من الغرفة.. لحظات قليلة جدًا حتى أجلسها أمام المائدة.
ولكن إحساسها بالقرب من ياسر وحين عانقها اعتبرته زادَها الذى ستتزود به بعد الفراق.
نظرت للمائدة، فتعجبت، خاصة باقة الزهور:
«الله».
- «الورد ده بأعتذر لك بيه.. يا رب تقبلى اعتذارى».
زاد تعجبها.. علامَ يعتذر، فسألته لتستوضح الأمر:

«تعتذر عن إيه؟».

الثلاثاء، 3 نوفمبر، 2015

روايات دينا عماد متوفرة فى معرض الشارقة الدولى للكتاب

روايات
الدائرة
بلاتوه
قلوب مغلقة ل \ دينا عماد


متوفرين بمعرض الشارقة للكتاب

فى مركز اكسبو الشارقة

من 4 ل 14 نوفمبر جناح دار الربيع العربى قاعة 4 جناح G16


اللى من الامارات والمقيمين فيها
فى انتظار رأيكم ان شاءالله



الأربعاء، 8 يوليو، 2015

رواية بلاتوه... الفصل الرابع



                             (4)

استيقظت لميس على صوت أم خالد:
-لميس.. قومى يا لميس بقينا المغرب.
ردَّت لميس من تحت وسادتها:
-بتصحيني ليه.. سيبيني انام.
-بقينا المغرب قومي ربنا يهديكي.
أزاحت لميس الوسادة من على رأسها.. ونظرت لأم خالد:
-ربنا يهديني؟؟ أنا مش عارفة انتي حطاني في دماغك ليه؟
ضحكت أم خالد وهي ترتب السرير بعد أن نهضت لميس:
-وانا ليا مين غيرك دلوقتي اخلِّي بالي منه واخاف عليه.. الأول كنت ملبوخة بعيالي وشايلة همهم.. دلوقتي فضيت لك.
رجعت لها لميس مرة أخرى بعد أن كانت اقتربت من الباب:
-تصدقي.. انتي أينعم بتخنقيني بس لما كنتي بتروحي بيتك كنتي بتوحشيني وانا دلوقتي مبسوطة أكتر لما بقيتي قاعدة معانا على طول.
ضمتها أم خالد ضمة حانية:
-إنتي روح قلبى يا لميس.. يا بنتي انا خايفة على صحتك.. زمان كنا بننام بدري وبنصحى بدري وبناكل أكل طبيعي كانت صحتنا كويسة.. انما انتوا زمانكم ده بالأكل اللي بتاكلوه ده بيخليكم شوية برد يرقدوكم.
-متخافيش عليا.. هدخل الحمام واعمليلي شوية "شوكوبوبس" بلبن ساقع.
-شوكوبوبس ايه.. بقولك احنا المغرب.. أنا هحضرلك الغدا تتغدي مع مامتك.
-هى ماما متغديتش لحد دلوقتي؟
-ولا باباكي اتغدى.. واتصل قال جاي فقلت اصحيكي تتغدوا انتوا التلاتة مع بعض.
-ينفع كده يعني.. هفضل ابوسك كل شوية.
قبَّلتها لميس بفرحة وأكملت:
-كويس أووووي انك صحتيني أنا عايزة بابي ضروري.

أثناء جلوس حسن ونادين ولميس على الغداء في بداية المساء، كان الإرهاق باديًا على وجه حسن وعينه تكاد تكون مغلقة، سألته نادين بقلق:
-حسن.. مالك انت مش قادر تفتَّح عينيك؟
-هموت وانام يا نادين.. تعبان أوي.
-يا حبيبي.. إنت فعلا الليلة اللي فاتت ملحقتش تنام.. اتغدى وقوم نام.
-عندي مواعيد في المركز مينفعش.
-اتأخر.. هيحصل ايه يعني.. أو حد يكشف عليهم.. منى فين؟
-منى مشيِت قبل ما امشي بشوية.. هي كمان تعبانة وقالت مش جاية النهاردة.
لميس تتابع حديثهما بهدوء وهي تتناول الطعام:
-هي منى مالها يا حسن؟
-حماتها عاملة معاها مشاكل وقلتلها اتدخل واكلم أسامة قالت لا.
-الأحسن انك متتدخلش إلا لو طلبت منك.
حسن وهو يوجه حديثه للميس:
-مالك؟؟ ساكتة ليه؟
-مستنية لما تفضى لي يابابي.
نظر حسن لنادين نظرة عتاب.. فهمتها نادين فردت على لميس وكأنها تنفي عن نفسها التهمة التي وجهها لها حسن بنظرته:
-ليه يا لميس.. بابي اهو معانا وكل ما بيكون فاضي بيبقى معانا.
-يعني هنسافر امتى؟
نظرت نادين لحسن ثم نظرت للطبق وهي تتناول منه الطعام.. بعد أن ألقت الرد بين يدي حسن .
ردَّ حسن على لميس:
-ان شاءالله قريب.
-امتى يعني؟
-مش عارف يا لميس.. لو عايزين تسافروا انتوا سافروا.
ردّت  نادين:
-مش هينفع اسيبك لوحدك. 
ردَّت عليها لميس:
ليه يامامي.. ما احنا كتير بنسافر لوحدنا.
-مش هينفع اليومين دول يا لميس.. إلا لو سافرنا كلنا مع بعض.
لميس مستاءة:
-يعني ايه.. لا عارفين نسافر مع بعض ولا انا وانتي؟
-لولو حبيبتي.. في أقرب وقت هحاول اظبط شغل المركز مع منى ونسافر.
أنهى حديثه وهو ينهض منتهيًا من طعامه، تبعته نادين، فاستوقفتها لميس:
-هتيجي معايا النادي ولا اروح لوحدي؟
-هنروح بس مش دلوقتى.. لما بابا ينزل.
-وانا لسه هستنى لما ينام ويقوم وننزل.. أنا متقفة مع وعد هنروح الساعة 8 بالكتير.
-استني شوية الدنيا مش هتطير.

تركتها ودخلت غرفتها.. وجدت حسن مازال بملابسه، جالسًا على الكنبة مسنِدًا رأسه للخلف، اقتربت منه وجدته نائمًا، لمسته بهدوء لتوقظه:
-حسن.. قوم يا حبيبي غيَّر هدومك ونام شوية.
استيقظ حسن وهو يحاول إفاقة نفسه:
-قولي لام خالد تعملي كوباية قهوة يا نادين لو سمحتي.
-مش هتنام؟
-لا.. هشرب القهوة واخد دش كده يفوَّقني والبس وانزل.
-يا حسن حرام عليك صحتك يا حبيبي.
-ما انا فعلا مش قادر.. هحاول اخد الكشوفات المهمة واخلَّص بدري واجي انام.
-وافرض جت أي حالة مستعجلة.
-يبقى أمري لله هعمل ايه.. ربنا يستر ومتجيش أي حالات النهاردة.
-طيب انا هعملك القهوة.. أجيبهالك هنا ولا ف المكتب.
-ف المكتب.

خرجت نادين من غرفتها واتجهت للمطبخ، تبعتها لميس وحدثتها وهي تعد القهوة:
-هتنزلي معايا؟
-مش دلوقتي يا لميس.
-طيب انا افضل قاعدة اعمل ايه.. وعد كلمتني ورايحة دلوقتي.. أروح معاها؟؟
-مين هيوديها؟
-وائل اخوها هيوصلها.. أخليهم يعدوا عليا.
ردت نادين بضيق:
-طيب يا لميس.. كفاية زن بقى.

دخلت أم خالد المطبخ:
-أعمل القهوة للدكتور يا مدام؟
-لأ يا ام خالد.. أنا عملتهاله خلاص.. لمييييس معاكي فلوس؟
-لأ.
-طيب روحي خدي من شنطتي.. متقلقيش بابا دلوقتي.
-ميرسي يامامي.

دخلت نادين بالقهوة مكتب حسن.. لم يكن أنهى حمَّامه بعد، وضعت القهوة على المكتب وجلست تنتظره.. دقائق ودخل حسن.. جلس على المكتب، نظرت له نادين بإشفاق وسألته:
-فوقت؟
-شوية.
-أنا عملتلك القهوة تقيلة عشان تفوقك شوية.
-تسلم إيدك يا حبيبتي.
سمعا صوت باب الشقة يُغلق.. سألها:
-حَد جاي لك؟
-لأ أكيد لميس نزلت.. راحت النادي.
-إنتي نازلة؟
-أه ومش هتأخر إن شاءالله.
صمتت لحظات وسألته برجاء:
-حسن.. مابلاش تنزل النهاردة.
-ليه؟ هي أول مرة ابقى مرهق واشتغل؟
-انت بقالك كام يوم نومك قليل أوي وامبارح ملحقتش تنام 3 ساعات على بعض.. حقك ترتاح.
-متقلقيش يا حبيبتي.
نهضت نادين مستسلمة.
-هسيبك لو عايز تقرأ ولا حاجة.. لو عايزني ف حاجة أنا قاعدة برَّه.
-ربنا يخليكى ليا يا أحن إنسانة في الدنيا كلها.
-ربنا يخليك انت لينا ويقويك.
-يعني خلاص مش زعلانة مني ومقدَّرة انشغالي عنكم.
-أنا مقدرش ازعل منك يا حسن.. أنا مليش غيرك في الدنيا، إنت ولميس.
ابتسم لها حسن.. أرسلت له قُبلة وهي تغادر المكتب.
-مش هعطلك أكتر من كده.
                         ********************

وصلت لميس النادي مع صديقتها وعد. اتجهتا للكافتيريا.. وعيناهما تبحث في كل مكان، أشارت وعد بيدها نحو إحدى الطاولات:
-أحمد موجود اهو.

اتجهتا نحو أحمد؛ شاب نحيف وطويل يجلس مع فتاة.
أحمد صديق مشترك لوعد ولميس منذ ثلاث سنوات، ولكن في السنة الأخيرة تطورت الصداقة بين أحمد ولميس، حتى صارحها بإعجابه بها وحبه لها.. لميس ذات الأربعة عشر ربيعًا والتي تخطو أولى خطواتها نحو المراهقة بمشاعر طبيعية
كلمات أحمد بالنسبة لها كانت كنسمة رقيقة هبَّت في صحراء قلبها الذي كان يتوق للحب ومشاعره بصفة عامة. وجود أحمد في حياتها وتقرُّبه منها أوجد في حياتها وقلبها مكانًا له، لم تكن لديها أية محاولات لصد هذا الحب ولا التفكير في مصيره.
أحمد الذي يكبرها بثلاث سنوات والذي أتم عامه السابع عشر منذ شهر مضى، تراه الرجل الذي ستكمل حياتها معه، تأخذ حب والديها مثالًا للحب، وترى في تفاني والدتها في حب والدها وطاعتها له والعمل على إسعاده نموذجًا يُحتذَى به في أية علاقة ناجحة.

عندما رأت تلك الفتاة التي لا تعرفها تجلس مع أحمد دبَّت الغيرة في قلبها وانعكست مشاعرها على ملامح وجهها.. فعبست رغمًا عنها. اقتربت لميس ووعد من الطاولة التي يجلس عليها أحمد ورفيقته، عندما رآهما تهللت أساريره وقال مُرحِّبًا:
-اتأخرتوا ليه؟
نظرتا للفتاة الأخرى بتعجب.. فبادرهما أحمد:
-تعالوا اعرفكم على لبنى صاحبتي معايا في درس العربي.. لميس ووعد صاحباتي.
جلسوا جميعًا.. التزمت لميس الصمت من ضيقها.. لم تبدأ بفتح أي حوار كانت تكتفي بالرد المختصر فقط، وبعد نصف ساعة ثقيلة على لميس استأذنت لبنى في الانصراف ونهض معها أحمد ليوصلها حتى باب النادي.

بعد انصراف أحمد ولبنى، بدأت وعد حديثها:
-ايه البوز ده يا بنتي.. مش كده.
-إنتي مش شايفة يعني قاعد مع واحدة ويقولِّي صاحبته وقايم يوصَّلها.
-عادي يا لولو ما احنا لينا اصحاب.
-أيوة بس من يوم ما ارتبطنا وانا مبقعدش مع حد لوحدي عشان ميتضايقش هو كمان المفروض يعمل زيي.
صمتت وعد بعد أن عجزت عن الرد.

عاد أحمد بعد قليل.. جلس معهم وسأل لميس:
-مالِك؟
-انت مش عارف مالي يعني.
أُحرجت وعد فاستأذنت:" أنا هروح لوسام اختي اشوفها هي زمانها عندها تمرين".
انصرفت قبل ان يرد أحدهما عليها.
كرر أحمد سؤاله للميس:
-مالك.. وايوة مش عارف في ايه.. انتي مكلماني لما صحيتي وكنتي عادية مفيش حاجة.
-مين دي اللي قاعد معاها.
-ما انا قلتلك صاحبتي في الدرس.
-درس ايه يا احمد.. هو انت لسه بدأت دروس؟
-درس العربي السنة اللي فاتت وهناخد درس مع بعض السنة دي كمان.
-مقلتليش يعني ان ليك صاحبات من الدروس.
-عادي.. انتي عارفة ان أي مكان بكون فيه بيكون ليا اصحاب.
-أصحاب مش صاحبات.
-أصحاب أو صاحبات.. هتفرق ف ايه يعني.
-اشمعنى انا بتقولي مكلمش ولاد.
-لا مقلتش متتكلميش.. اتكلمي ف حدود ضيقة أوي.
-اشمعنى انت بتتكلم ف حدود واسعة أوي.
-أنا بغير عليكي.
-يعني انا مبغيرش؟!
-آنا مبحبش حد يقولِّي اعمل إيه ومعملش إيه يا لميس وانتي عارفة ان ليا اصحاب كتير ومش همنع نفسي منهم ولسه هيبقى عندي اصحاب أكتر لما ادخل الجامعة ومبحبش حبيبتي يكون ليها اصحاب ولاد.. عندك أي اعتراض؟
صمتت لميس وهي مستاءة من سياسة الأمر الواقع.
نظر لها أحمد وأردف قائلًا وهو يتركها بمفردها:
-خليكي مبوزة كده.. أنا ايه اللي يقعدني معاكي بالنكد ده.
نظرت له لميس وعاتبته وصوتها مختنق بالعبرات:
-أنا نزلت مخصوص ومستنيتش مامي عشان اجي اقعد معاك.. تقوم تسيبني وتمشي.
عاد أحمد مرة أخرى وجلس معها:
-خلاص يا لميس.. بس متكرريهاش تاني.. أنا مبحبش حد يبقى وصي عليا.. ده بابا معملهاش معايا هتعمليها انتي.
-خلاص أنا أسفة.. متزعلش مني.
-خلاص مفيش حاجة.. عملتي ايه ف السفر.
-بابي مش فاضي ومقالش معاد محدد.

أقبلت عليهما وعد وجلست وهي تقول:
-لسه مخلصتش التمرين.
نظرت وعد لكل من أحمد ولميس.. وسألتهما:
-مالكم.. متخانقين ولا ايه؟
ردَّ أحمد:
 -أنا عملت اللي عليا.. حاولت اخليهم يأجّلوا سفرنا مارينا شوية منفعش.. وأساسا كنا هنصيف في شرم السنة دي بس انا أقنعتهم نروح مارينا عشان لميس.. تيجي الهانم وتقولِّي أنا مش عارفة هيسافروا امتى.. يعني على ما احنا نروح ونرجع تكون هي لسه هتسافر وبدل ما نقضي الصيف مع بعض يبقى كل واحد ف حتة.
لميس مبررة موقفها:
-اعمل ايه طيب.. حاولت اقنع مامي نسافر احنا منفعش.. وبابي وعدني انه هيفضى نفسه ومحددش.
-اشمعني المرة دي مش عايزة تسافر معاكي؟
-أكيد عشان عيد ميلاد بابي قرَّب.. هي قالت لو كنا هنسافر كلنا مع بعض ماشي إنما لو احنا لوحدنا يبقى نستنى شوية فانا فهمت هي مش عازة تسافر ليه.
-مش مشكلتي دي بقى.. أنا عملت اللي عليا وغيرت مصيف السنة دي.
عقبت وعد على كلامهما قائلة:
-أنا عندي فكرة.
انتبها لها منتظرين سماع فكرتها.. فأكملت:
-احنا مسافرين الأسبوع الجاي.. لميس تسافر معانا وطنط تبقى تحصلنا براحتها.
أحمد: قشطة جدًّا.
لميس: تفتكرى مامي هتوافق؟
أحمد يزفر بنفاد صبر:
-لأ بقى كده كتير.. إنتي مش قادرة تقنعيها بحاجة أبدًا.. عايزين نقضّي المصيف مع بعض.
لميس: هحاول اقنعها ويارب توافق.
وعد: لما تيجي هقولها ولو رفضت هخلِّي ماما تحاول معاها كمان.

                           *********************

بعد عودة نادين ولميس من النادي.. دخلت لميس خلف نادين غرفتها وسألتها:
-هااا.. قلتى ايه؟؟ أحضَّر نفسى؟
-لميس.. انتي بقيتي زنانة كده ليه.. بقيتي اُوفر.
-مامي حبيبتي، أنا زهقانة ومش معقول..
قاطعتها نادين:
-زهقانة من ايه.. إنتي عندك كل وسائل الترفيه وتقوليلي زهقانة.. احمدي ربنا يا لميس أنا مبحبش كده.
-الحمدلله والله مقلتش حاجة.. بس يرضيكي يعني اصحابي يسافروا يصيفوا وانا ابقى قاعدة هنا محبوسة في البيت وعلى ما بابي يفضى يكون اصحابي رجعوا واروح انا ابقى لوحدي هناك.
-إشمعنى السنة دي انتي مصممة نسافر.. كل سنة عيلة وعد بيسبقونا واحنا بنحصلهم.
-مامي انتي مش عايزة تسافري عشان عيد ميلاد بابي؟
-أيوة.
-وإذا كان هو مش فاضي وممكن ينسى؟!
-ينسى براحته.. انا مقدرش انسى ولازم احتفل بيه زي كل سنة.
نظرت لميس لنادين وسألتها بابتسامة:
-بتحبيه أوي كده؟
تنهدت نادين وهي تنظر لصورتها مع حسن:
-بحبه!!.. طبعا.. حسن يبقى حبيبي وجوزي وعِشرة عمري.
صمتت لحظات وأردفت بنبرة حزينة:
-بس لو كان يديني شوية من وقته بدل شغله ماهو اخده مني كده كنت هبقى ف منتهى السعادة.
سألتها لميس للمرة العديدة فوق المائة:
-هااا.. هروح معاهم.. أحضَّر نفسى؟؟
-خلاص يا لميس.. لما استأذن بابا.. هي الساعة كام؟
نظرت في الساعة فسبقتها لميس بالإجابة:
-12 وربع.
أخرجت نادين هاتفها من حقيبتها:
-شفتي.. مفيش فايدة.. تعبان ونازل بالعافية وقال مش هيتأخر والشغل أخده محسش بنفسه والساعة داخلة على واحدة.

أردفت بعد قليل:
-التليفون مقفول.. يبقى أكيد جت له ولادة مستعجلة.
نهضت لميس:
-يبقى هيتأخر طبعا.. ولما يتأخر مينفعش اتكلم معاه وبينزل الصبح وانا نايمة.. أخد الرد ازاي انا دلوقتي؟
-هتكلم معاه الصبح واقولك.. هتنامي؟
-لا.. هقعد ع النت شوية.

قبل أن تخرج لميس من الغرفة.. فتحت أم خالد الباب فجأة دون استئذان.. وتحدثت بفزع:
-ارفعي السماعة يا مدام.. ردي ع التليفون.
سألتها نادين باستغراب:
-مين؟
تلعثمت أم خالد وهي تجيبها:
-ب.. بيق.. بيقول.. مستشفى.
رددت نادين وهي ترفع سماعة التليفون الأرضي بقلق
-قصدك المركز عند حسن يعنى؟.. آلو.. أيوة أنا مدام دكتور حسن.
صرخت نادين وهي تسأل الطرف الآخر:
-حادثة!!! حصل له ايه؟؟ أرجوك قولِّي الحقيقة هو حصل له حاجة؟
بدأت الدموع تنهمر من عيني لميس وهي تسألها:
-بابى؟؟ ماله؟؟
ردت نادين على محدثها وسط بكائها:
-حالًا.. مسافة السكة.. مع السلامة.
لم تكن قد بدلت ملابسها بعد.. أخذت حقيبتها وركضت ولميس وأم خالد خلفها وهي تردد: "يارب اكون في كابوس.. يارب ميكونش ده كله بجد.. أنا مقدرش اعيش من غيرُه.. أنا ممكن اموت لو جراله حاجة".