الاثنين، 29 يونيو، 2015

رواية بلاتوه... الفصل الثالث




                                   (3)

جلس أسامة على السفرة بينما كانت والدته تحضِّر له الإفطار.. لم يستطع أن يرفض طلب والدته أن يشاركها إفطارها قبل أن تأخذ دواءها.. جلس مقررًا أن يشاركها الطعام؛ إرضاءً لها فقط. أما هو فلا شهية لديه كما لم يستطع النوم من بعد مغادرة منى للمنزل.

لم تتطرق مشاكلهما يومًا لهذا الحد منذ زواجهما.. يعترف بينه وبين نفسه أنه فقد أعصابه وأنه لم يقصد المعنى الحرفي للكلمة عندما رد عليها منفعلًا: "أمي عندي قبل الناس كلها حتى انتي.. ده بيتي وبالتالي يبقى بيتها.. لو مش عاجبك مع السلامة".

سمع خطوات والدته تقترب.. جلست وبدأت حديثها وهي تناوله الشاي:
-افطر يا حبيبي انت بتتعب وبتيجي متأخر.. هي فاكرة لما تنزل كده مش هتلاقي حد يعملَّك حاجتك.. ده انا عنيا ليك.
-شكرًا يا ماما .. متتعبيش نفسك في حاجة في البيت.
ردَّت وهي تنظر حولها متأففة:
-مبتعبش أنا مش التنظيم.. بقى بذمتك مش ترتيب البيت كده أحلى ما كانت مراتك عاملاه.
-كويس.. كله كويس.
-كويس ايه.. ده انا الناس كلها بتحلف بترتيبي للعفش.. ده انا مكنش بيعدِّي سنة من غير ما ادور البيت واخليه زي الجديد.. انت من ساعة ما اتجوزت وكل حاجة ف مكانها.. إيه مبتزهقوش.
-عادي يا ماما.
-عادي يا ماما!! إنت هتعمل زي مراتك وبدل ما تقولِّي شكرا تقولي شيلتي الحاجة من مكانها ليه.. الحق عليا اللي فاكرة ان ابني هينصفني مش ينصف مراته عليا.. أنا اللي تعبت وربيت ابقى زي الغريبة.
أسامة يقدِّر تمامًا تضحية والدته الأرملة التي توفى زوجها في شبابها وأفنت شبابها وحياتها في تربية أبنائها "أسامة، وأماني". منذ تفتحت عيناه على حقائق الحياة وهو قطع عهدًا على نفسه بأن يعوضها جزاء تضحيتها بكل ما في وسعه. اجتهد في دراسته ليرضيها ويسعدها، ابتعد عن أي صديق له لم تحبه والدته.. فقط إرضاءً لها.. سمع كثيرًا من ينعتونه بأنه "ابن امه".  
لم تؤثر به مطلقًا تلك الكلمة أو تؤثر على علاقته بوالدته
فكل ما يفعله يقوم به برضا واقتناع تام غير مُجبر من والدته، كل ما هنالك أنه يحب والدته ويحب إسعادها ويعتبر نفسه المسئول الأول عنها.. غير مبالي بما قد يقال أو يُفسَّر.

مدَّ يديه ربت على يديها:
-تسلم إيدك طبعا وأكيد البيت كده أحلى.. بس انا مش عايزك تتعِبي نفسك.
-ولَّا عشان مراتك مش عاجبها؟
-لأ طبعًا علشانك انتي.
-ربنا يخليك ليا يا ابن عمري ويحنن قلبك كمان وكمان.
نهض أسامة من مكانه:
-أنا نازل.. عايزة حاجة اجيبها وانا جاي؟
-إنت مكلتش حاجة.
ردَّ كاذبًا:
-لأ أكلت وانتي بتعملي الشاي.
تبعته حتى باب المنزل.. وقبل أن يغادر سألته:
-هيَّ مراتك راحت فين بدري كده.
-معرفش مكلمتهاش.
-يعني ايه متعرفش.. هتروح فين وهيَّ لا ليها أم ولا اخوات.
-يمكن راحت المركز.
ردت مكررة كلماته بسخرية:
-رااااحت المركز.. آآآآه.. طيب.
-أصل هتروح فين يعني.
-انا اعرف بقى.. بقولك إيه.. خلى بالك.. انا مش عارفة انت ازاي سايبها كده.
-كده اللي هوَّ ازاي؟
-من ساعة ماجيت وانا شايفاك لا بتسألها رايحة فين ولا جاية منين.. بتيجى متأخر وتنزل أي وقت هي عايزاه وانت عادي كده.
-شغلها ياماما.
-وانت جوزها يا أسامة.. جوزها اللي أهم من شغلها ده لو كل الوقت في شغلها فعلا.
سأل والدته بشك:
-تقصدى ايه؟
أشاحت بيديها وهي تتظاهر بعدم الاهتمام:
-أنا مالي.. لا اقصد ولا مقصدش.. انت مش صغير.

خرج أسامة وهو يفكر في كلام والدته.. على مدى خمس سنوات سابقة هي مدة زواجه لم يسأل منى قَط عن موعد رجوعها أو وجهتها.. تردد صوت بداخله"ما انت مكنتش بتسألها عشان هي طول عمرها بتسبق وتقولك على كل تحركاتها من غير ما انت تسأل".

أدار محرك السيارة.. لم يَدُر معه، جرب مرة أخرى بدون جدوى، نظر في ساعته وجد أنه قد يتأخر على عمله.
نزل من السيارة وأغلقها.. ووقف ينتظر تاكسي وهو يردد بينه وبين نفسه:"هلاقيها منين ولا منين.. ومنى دي كمان ايه حكايتها وكلام ماما ده تقصد بيه ايه.. تكون شاكة في حاجة ومش عايزة تقولِّي".


                         ********************

دخلت والدة أسامة المطبخ.. رتبته وأخرجت ما تنوي طهيه للغداء، ذهبت لباب الشقة.. أغلقته بالترباس، ثم دخلت حجرة نوم منى.. وقفت برهه على الباب تنظر حولها لكل مكونات الغرفة من أثاث. جلست على أحد طرفي السرير في الجهة التي تنام بها منى، بدأت في تفتيش أدراج "الكومودينو" باهتمام بالغ، لم تجد ما يثير الاهتمام.. نهضت متجهه لدولاب منى. ظلت تفتش ماظهر منه وما بطن ولم تترك أي جزء حتى بين طيات الملابس فتشت فيه، كانت تبحث عن هدفٍ محدد.. لم تعر انتباها لأية أوراق أو نقود أو ألبومات وجدتها أثناء بحثها، كان هدفها محددًا للغاية.. هي تبحث عن مقصدها فقط.. بين كل أغراض منى لم تجد هدفها.

جلست برهة تفكر.. ثم حسمت قرارها بإعادة البحث، ولكن هذه المرة في أغراض أسامة. بدأت بــ "الكومودينو" كما فعلت منذ قليل ولم تجد شيئًا.. ذهبت للدولاب وبدأت البحث بين أرفف ملابس أسامة.
في الرف الأخير وقبل أن تنتهي، وجدت في آخره وتحت محتوياته شريط أقراص،
شعرت أنها وجدت ضالتها المنشودة بالرغم أنها قلبت الشريط بيديها ولم تفهم منه شيئًا.

ابتسمت بانتصار ورددت بينها وبين نفسها:" أنا كنت حاسة.. ياعيني عليك يا بني وكمان مخبياه ف حاجتك .. أه منك يا منى يا مكَّارة.. صحيح ياما تحت الساهي دواهي".

أخذت شريط الأقراص معها في المطبخ.. وضعته فوق الثلاجة وبدأت في طهي الطعام وانتظار أسامة.


                       ********************

قبل المغرب بقليل.. عادت منى منهكة كل آمالها أن تلقي نفسها على سريرها وتذهب في سبات عميق لا تفيق منه إلا بعد أيام. شعرت بالجوع عندما شمت رائحة الطعام الشهي الآتية من المطبخ.
لحظات فتحها للباب وإغلاقه تمنت أن تنهي طعامها سريعًا وتذهب فورًا للنوم. تلفتت على صوت التليفزيون ووجدت حماتها تجلس تشاهد أحد المسلسلات.. ألقت التحية ولم تسمع ردها.

دخلت حجرتها.. كل شيء كما هو.. بدَّلت ملابسها بأكثر ملابس بيتها راحة..
كم تشتاق للراحة.. طيلة الفترة الصباحية في المركز تتنقل من سرير لآخر لتنعم بالنوم، ولكنها لم تقتنص سوى نوم متقطع يثير أعصابها أكثر مما كانت، حتى دبت الحركة وازداد العمل وبدأت الانهماك في العمل وأصبح لا مجال للراحة.

انتهت من أخذ حمامها.. ذهبت للمطبخ، وقفت أمام البوتاجاز، رفعت غطاء إحدى الحلل، انتفضت على صوت حماتها خلفها تسألها:
-بتعملي إيه؟
وقبل أن تبتلع منى لعابها أردفت حماتها قائلة:
-انتي مقلتيش انك جاية ع الغداء فمعملتش حسابك.. مفيش غير غداء أسامة.
شعرت منى بسخونة الدم في وجنتيها من الإحراج، آخر ما كانت تتوقعه أن تتعرض لمثل هذا الموقف.. في بيتها.

تظاهرت بالتماسك..
-أنا اتغديت خلاص .. أنا كنت بشوف لو حاجة عايزة تتحط في التلاجة قبل ما انام.
-انتي هتنامي؟
-أيوة.. هو أسامة فين؟
-لسه مجاش م الشغل.
-غريبة!
-ليه.؟
-أصل عربيِّته راكنة تحت.
وردت والدته مذعورة:
-ايه؟؟ عربيته تحت وساكتة؟
خرجت مسرعة من المطبخ بينما منى تتعجب من رد فعلها المبالغ فيه. تبعتها منى بهدوء.. وجدتها تتصل بلهفة.. استنتجت أنها تتصل بأسامة
وبالفعل بعد قليل سمعتها:
-أيوة يا أسامة.. إنت فين يا حبيبي؟؟ طيب أصل اتخضيت.. أه الغدا جاهز هسخَّن لك حالًا.. مع السلامة.

أغلقت الخط وعادت إلى المطبخ متجاهلة وجود منى، سألتها منى وهي تمر بمحاذاتها:
-هو فين؟
-طالع اهو.
-كان فين؟
-في الشغل؟
-كان في الشغل وبعدين جه ؟.. ولما ساب العربية راح فين؟
-العربية كانت عطلانة ومخدهاش.
-طيب.. بعد إذنك.
دخلت منى غرفتها.. ألقت نفسها على سريرها، وسمحت للدموع التي خنقتها بأن تتحرر من عينيها.

سمعتْ صوت باب الشقة يُفتَح ويُغلَق، وصوت أسامة ووالدته.. حتى اقترب أسامة من باب غرفة النوم. فتح الباب ودخل وأغلقه خلفه.. وبدون أن يلقي عليها التحية، سألها مباشرة:
-كنتي فين طول اليوم يامنى؟
ردَّت دون أن تلتفت له ومازالت دموعها تنحدر:
-في الشغل.
-من الصبح بدري في الشغل.
-أيوة.. ومش قادرة اعاتب ولا اتكلم في اللي حصل يا أسامة.. أنا تعبانة وعايزة انام.
شعر بصوتها مرهقًا.. لم يكن سوى صوت مختنق بالدموع ولكنه لم يلحظه.
بدَّل أسامة ملابسه وخرج من الغرفة بهدوء.


                     ********************

جلست والدة أسامة معه أثناء تناوله الطعام، كانت مترددة بعض الشيء.. فبادرها بالسؤال:
-مالك يا ماما.. عايزة تقولي حاجة؟
ترددت.. ثم أجابت:
-أيوة يا أسامة.. أنا من زمان شاكة بس اتأكدت.

كاد أن يقف الطعام بحلقه.. فقد ربط بين كلامها صباحًا وكلامها الآن
ماذا تقصد؟؟ وماهي تلك الشكوك؟؟حبه لمنى مازال كما هو، وثقته بها أيضًا
ماذا لو كانت الاستنتاجات حقيقة؟
ازدرد طعامه بصعوبة.. وتناول قليلًا من الماء، وبصوت يخشى أن تتحول أفكاره حقيقة:
-اتأكدتي من ايه؟ وازاي؟
مالت والدته عليه قليلًا.. وهمست له:
-مراتك مش مُريحة.. مفيش ست تفضل متجوزة 5 سنين ومحبلتش وهيَّ كمان دكتورة نساء.
اطمأن أسامة أن استنتاجه مجرد هاجس ووسوسة شيطان، ابتسم لوالدته مطمئِنًا لها وأكمل طعامه:
-كل شيء نصيب ياماما.. هي دكتورة آه بس الحمل ده بتاع ربنا.
أعادت كلامها مرة أخرى بنفس اللهجة التحذيرية:
-أنا اتأكدت انها قاصدة متخلفش منك.. وانا هثبتلك.

نهضت من مكانها.. دخلت المطبخ وعادت بعد دقائق بشريط الأقراص ومدت يديها به لأسامة:
-أهو.. بتاخد حاجة تمنع الحمل من وراك.
بمجرد أن وقع نظر أسامة على الأقراص.. هبَّ واقفًا وهو يأخذهم منها:
-إيه ده.. لقيتي ده فين؟
ذعرت الأم من لهجة ابنها الحادة.. أسامة العصبي مع كل الناس كان يضبط أعصابه عندما يتعلق الأمر بوالدته.. ماذا حدث اليوم ليتبدل حاله؟!
ردَّت باستغراب في نفس الوقت الذي جاءت منى جريًا على صوته.
الأم: انت بتزعقلي؟!
منى: فيه ايه؟
صاح أسامة وهو يلقي بالأقراص على الأرض:
-جبتي ده منين؟؟ بتعملى فيا كده ليه؟!
ردت والدته وهي تبكي:
-بتحاميلها عشان معرفش الحقيقة.. بتعمل كده في امك يا أسامة.. يا خسارة تعبي وشقايا وشبابى اللي ضحيت بيه علشانك انت واختك.
لم يرد أسامة وقبل أن تكمل حديثها كان دخل حجرته وبدَّل ملابسه في سرعة البرق.

أما منى فبعد أن وقعت عيناها على الأقراص.. وكل ما يمر حولها بسرعة في ظِل إرهاقها يجعلها تأخذ وقتًا لاستيعاب ما يحدث حولها. بعد أن تناولت الأقراص من على الأرض، وجدت أسامة يخرج مندفعًا من غرفة النوم حتى الباب
لحقته منى وهي تنادي عليه متلهفة:
-استنى يا أسامة.. استنى عايزاك.
لم تفلح كلماتها في استيقافه.. بينما كانت والدته صوتها يعلو من الغرفة وهي تبكي وتندب حظها العاثر بابنها الذي ثار لزوجته وأغضب والدته.
ذهبت منى لمحاولة تهدئتها.. وجدتها حزمت حقيبة ملابسها.
-أنا هبعت البواب ياخد الشنطة.. مش قاعدة لكم.. بكرة هتبقي لوحدك زيي كده ومتلاقيش حد يسأل فيكي.
ردت منى بألم:
-ليه كده؟؟انا عملت ايه بس.
-قلبتي ابني عليا منك لله.. ابني عمره ما زعق في وشي كده ولا كان حتى بيرد عليا.. نزلتي الصبح ياعالم رُحتي فين وعملتي ايه رجعتي الواد اتبدِّل.
-استغفر الله العظيم يارب.. هروح فين بس أنا نزلت عشان مكبَّرش المشكلة.. اطمنى ابنك قالهالي صريحة لو اخترت هختار امي وانا مش بخيَّره بيني وبينك.. أنا معرفش الشيطان اللي دخل بيننا ده ايه.
-اااااه.. الشيطان.. طيب ياختي الشيطان اللي تقصديه سايبلك البيت.
ردت منى بسرعة مصححة ما لم تقصده:
-والله ما اقصد كده خالص.. أنا قصدي شيطان ساعة زعل يعني.
-بت انتي..
-بت؟؟!!
-غلطت في الست الدكتورة.. طيب يا دكتورة.. اشبعي بيه وانا غضبانة عليكم انتم الاتنين.
اتجهت والدة أسامة للباب بسرعة دون أن تنتظر ردًا. فتحت الباب وتركته وراءها مفتوحًا. جلست منى تفكر فيما حدث وما ستجره إليها الأيام التالية. بعد دقائق سمعت رنين الجرس.. نظرت للباب المفتوح وجدت البواب:
-الشنطة بتاعة الحاجة؟
شاورت له منى بأن يتقدم ويأخذها من الردهة.. غادر البواب ونهضت منى وأغلقت الباب خلفه.

دخلت غرفتها.. بحثت عن مسكن للصداع الذي تعانيه من الإرهاق وقلة النوم.. وجدت المسكن.. تناولته، ثم أخذت نفسًا عميقًا بعد أن قررت أن تتصل بأسامة لتعرف أين ذهب وتخبره بمغادرة والدته.
اتصلت.. بعد أول جرس رنين، أغلق المكالمة في وجهها وأغلق الهاتف كله
مما زاد من قلقها.. من المستقبل القريب.

الاثنين، 22 يونيو، 2015

رواية بلاتوه... الفصل الثانى

( 2)
كانت نادين مازالت مستيقظة عندما شعرت بدخول أم خالد بهدوء..
أم خالد تمشي على أطراف أصابعها في الغرفة، حدثتها نادين بدون أن تتحرك:
-عايزة حاجة يا أم خالد؟
انتفضت أم خالد وبحركة لا إرادية، فتحت صدر ثوبها وبصقت به:
-بسم الله الرحمن الرحيم.. إنتي صاحية يا مدام.
اعتدلت نادين جالسة:
-اه صاحية من بدري.. من ساعة ما الدكتور نزل.
-طيب هروح احضرلِّك الفطار.
-لأ مش دلوقتي.. الدكتور زمانه جاي هبقى افطر معاه.. كنتي جاية عايزة حاجة؟
-آه.. كنت جاية اخد الغسيل.
-بدري كده؟
-عشان الحق اليوم من أوله.
نهضت نادين من فراشها بعدما جفاها النوم تمامًا:
-أنا هقوم اخد شاور.
ردت أم خالد وهي تأخذ بعض الملابس المُعلَّقة على الشمَّاعة:
-مدام نادين.. لميس لسه صاحية طول الليل مانامتش.. مش كويس عليها كده.
لم تجد نادين كلمات ترد بها على أم خالد.. فهي رغم تدخلها بعض الأحيان فيما يخص لميس إلا أنها طيبة القلب وتحبهم حقًا وتعتبر لميس ابنة لها.. فهي معهم منذ سنوات لميس الأولى، وقامت بخدمتها وتربيتها يدًا بيد مع نادين؛ لذلك تغفر لها نادين تلك التدخلات التي لا تقبلها من أي شخصٍ آخر مهما كان قريبًا منها.

*********************
أنهت نادين حمَّامها.. جلست تتزين أمام مرآتها بعدما انتقت زيًّا نهاريًا ترتديه لأول مرة؛ متمنية أن ينال إعجاب حسن.
أثناء تصفيف شعرها، كانت تتخيل لحظة قدومه للمنزل، تتخيلها بشوق ولهفة كموعدهما الأول.. تُحدِّث نفسها: "من قال إن الحب ينتهي بعد الزواج من المؤكد أنه لم يحب حقًا.. فالحب مازال في أوج اشتعاله ولم يفتر بمرور السنوات.

انتهت من جلستها أمام المرآة.. وجدت الساعة اقتربت من التاسعة صباحًا، ذهبت لغرفة لميس.. وجدتها مازالت مستيقظة.
-صباح الخير.. انتي لسه قاعدة كده من امبارح؟
-صباح النور يا مامي.. أيوة مش جاي لي نوم.
-كفاية كده ونامي شوية.. تحت عنيكي هيسوَّد من كُتر السهر.
-حاضر.. بس مقلتليش اتفقتي مع بابي هنسافر إمتى.
-بابي مقالش معاد محدد.
-لو استنيناه مش هنروح ف حتة.
-أنا قبل كده وعدتك وموفيتش بوعدي؟
-لأ.
-خلاص.. هنسافر زي ما انتي عايزة إن شاءالله بس نشوف بابي فاضي إمتى.
-أوك.
اقتربت منها نادين، وأخذت الـ "آي باد" وقبَّلتها من وجنتيها، وتركتها لتنام.

********************
أخذت نادين تليفونها لتتصل بحسن.. وجدت تليفونه مغلقًا.. ذهبت للتليفون الأرضي واتصلت على مكتب حسن.
بعد انتظار نادين لحظات رنين الهاتف، أتاها صوت أنثوي متكاسل، نظرت مجددًا لشاشة التليفون الأرضي لتتأكد من الرقم المطلوب.. لم تخطئه وهو بالفعل الرقم المباشر لمكتب حسن.. تجدد الرد مرة أخرى.. نفس الصوت الناعم الناعس، حاولت أن ترد تسألها من هي وكيف أتتها الجرأة لترد على تليفون زوجها، اختنق صوتها ووقف الكلام في حلقها.. انقطع الخط.. أغلقته المرأة الأخرى..
في لحظات.. قررت نادين أن تذهب فورًا لحسن.. لابد أن يعرف أنها اكتشفت خيانته.. حين تفاجئه متلبِّسًا بالجُرم المشهود.

*******************
وصلت نادين أمام البرج الذي يوجد به مركز شاهين للولادة، صعدت بسرعة حتى تستطيع أن تلحق بالمرأة الموجودة مع زوجها قبل أن تغادر.. عندما وصلت المركز، لم تلتفت لموظفة الاستقبال أو لأي من الممرضات ممن كن يرحبن بها، بل اتجهت بسرعة ومباشرة لمكتب حسن.
فتحت باب المكتب.. لم يُفتَح معها.. تأكدت أنه مغلق من الداخل..
ظلت تطرق على الباب بعنف وهي تنادي: "افتح يا حسن.. حسن.. افتح".
سمعت صوت ولوج المفتاح في الباب.. وانفتح الباب ووجدت منى أمامها
سألتها منى بفزع:
-مالك يا نادين؟؟ في ايه؟؟
دخلت نادين وهي تبحث حولها:
-حسن فين؟
-مش عارفة يا إما بيمر على الحالات يا إما معاه ولادة.. مالِك؟؟ لميس كويسة؟

جلست نادين على أقرب كرسي.. جلست لتستريح من ثقل شكها.. تنفست الصعداء عندما أدركت أن في الأمر لَبسًا ما، وبكل توتر سألتها منى:
-مالك يا نادين؟؟ طمنينى ايه اللي جابك تجري كده؟؟ لميس بخير؟
ردت نادين وهي تحاول أن تضبط أنفاسها:
-بخير يامنى.. الحمدلله.
كانت تحمدالله أن شكوكها لم تكن في محلها.. طوال الطريق وترتسم في مخيلتها مشاهد سيئة تتوقع مشاهدتها.. وبالتالي كانت تحاول أن تحضر رد فعل مناسب لكل مشهد تتخيله.

لاحظت منى صمتها وشرودها.. جلست أمامها صامتة بعد أن توقعت أنه ربما سبب وجودها هنا سرًا ما بينها وبين حسن ليس من حقها السؤال عنه، بادرتها نادين:
-انتي بتعملي ايه هنا بدري كده يامنى؟.. انتي كنتي بايتة هنا؟
ردت منى بنبرة حزينة:
-لأ.. جيت أول ما النهار طلع.
-ليه كده؟

سمعا صوت حسن في الردهة يقترب حتى وصل لباب المكتب، فوجئ بوجود نادين:
-نادين!! مالك؟؟ ايه اللي جابك؟
ترددت نادين في محاولة للبحث السريع عن إجابة ما.. ابتسمت:
-عادي يا حسن.. قلت اعملك مفاجأة.
-مفاجأة؟؟!! الساعة 9ونص الصبح؟
نهضت منى من مكانها:
-طيب هستأذن انا.. هبقى اكلمك يانادين.
سألها حسن:
-رايحة فين؟؟ انتي لحقتي تنامي؟
-هروح انام في أي حتة يا حسن متشيلش هم.
نهض حسن واستوقف منى وهو يخلع البالطو الأبيض:
-لا خليكي هنا يامنى وانا هنزل مع نادين شوية.

تبعته نادين صامتة أثناء خروجهما من المركز وأثناء ركوبهما سيارة حسن، نظر لها حسن نظرة جانبية أثناء قيادته السيارة.. تجاهلتها نادين، أعاد النظر للطريق أمامه وهو يسألها:
-شكلك زعلانة من حاجة؟
ردت بسرعة:
-لا أبدا يا حبيبي.
-أكيد فيه سبب انك جيتي الصبح بدري كده.. فيه حاجة عايزة تقوليها؟
ولمعت فكرة في رأس نادين.. فسألته ببراءة مصطنعة:
-أصل لميس كانت بتسأل هنروح مارينا إمتى، وانا جيت اشوف هتبقى فاضي إمتى؟
ضحك حسن.. تعجبت نادين من سبب ضحكته.
-بتضحك على ايه يا حسن؟
-كل ده عشان السفر.. قولي بقى اني وحشتك وجيتي تشوفيني.
-أيوة.. انت وعدتني انك هتيجي تفطر معايا وانا فضلت قاعدة استناك ومسألتش فيا.
-كانت ف إيدي حالة ولادة يا نادين.
-ما انا مكنتش اعرف وخصوصًا ان تليفونك كان مقفول... بُص يا حسن بصراحة بقى أنا اتصلت بيك ع المكتب واتجننت لما سمعت صوت واحدة ست بترد على تليفونك.
-ست؟؟ منى يعنى؟
-ما أنا مفسرتش انها منى.. صوتها كان نايم كده وانا كنت هموت م الغيرة.
وبنبرة حادة سألها متأكدًا:
-شكيتي فيا؟
ردت وهي تصحح مفهومه:
-دي غيرة مش شك.
أجابها بنفس النبرة الحادة:
-لما تيجى تجرى يا نادين عشان تقفشيني متلبس -من وجهة نظرك-تبقي شكيتي فيا.. أنا عمرى حصل منى حاجة تثير شكك؟؟
صمتت نادين.. وانحدرت من عينيها دموع صامتة لم يلحظها حسن وسألها مكررا:
-حصل منِّي حاجة تشكِّك فيَّا يا نادين؟
نظر لها ليواجهها، وجد دموعها ونظرتها الحزينة.
-للدرجة دي زعلانة؟ المفروض انا اللي ازعل.
-أنا مش زعلانة منك يا حسن.. وانا أسفة لو كنت زعلتك.. بس انا جوايا كتير وساكتة.
امتدت يده اليمنى احتضنت يدها اليسرى.. قربها من شفتيه.. لثمها برِقَّة.. وبنبرة حانية.
-خلااااص.. امسحي دموعك وهنقعد مع بعض وهسمع كل اللي جواكي ومضايقك كده.

*********************
على طاولة تطل على حمام سباحة في أحد الفنادق الكبرى، يرشف حسن من فنجان قهوته.. ينتظر سماع نادين.. أما نادين فكانت تبحث عن كلمات افتتاحية تمهد لها حديثًا ثقيلًا على قلبها.. تخشى من أن يُغضِب حسن..
لا تخشى ثورته فهي تعلم تمامًا أن الأمر يختلف معها عن عصبيته مع أي شخص غيرها.. فأقصى ثورة يصل إليها هي ارتفاع صوته قليلًا ولم تحدث تلك الثورة مطلقًا خارج منزلهما.
جل ما تخشاه أن يغضب ويكتم غضبه داخله ويتجنبها وهذا ما لا تطيقه.
تحدَّث حسن قائلًا:
-ايه يا نادين.. هتفضلي ساكتة كتير؟
-خايفة تزعل من كلامي.
-لا مش هزعل.. المهم متكونيش انتي زعلانة.
-مش ملاحظ اننا بعدنا أوي عن بعض.
-إحنا!!!
-أيوة يا حسن.. انت بتقعد معايا؟
-وانا قاعد مع مين دلوقتي؟
-لولا اني جيتلك مكناش قعدنا مع بعض.. آخر مرة قعدت مع بنتك إمتى؟
-ما انتي عارفة يا نادين ان اللي شاغلنى عنكم هوَّ شغلي.
-طيب واحنا؟
-انتوا روحي ومقدرش استغنى عنكم.. بس شغلي هو مستقبلي ومستقبلكم .. أنا لما بتعب واشتغل ده عشان مين؟
-بس وجودك معانا مهم.. أنا مش عارفة آخر 3 سنين البُعد بيننا زاد أوي كده ليه؟
-مش عارفة؟؟!!.. لأ انتي عارفة كويس وانا مبعملش حاجة من وراكي.
-ايه السبب؟
-السبب اني كنت بواصل الليل والنهار عشان جنب الشغل كنت بجهز للمركز وبشتغل زيادة عشان انتوا والبيت متتأثروش بالأزمة اللي كنت فيها.. كنت محتاج فلوس اكمل بيها شِرا الأجهزة اللي ناقصاني ده غير ان العيادة مكنش ينفع اسيبها.. كل ده مش سبب يخليني بلف حوالين نفسي؟! واظن انتي كنتي عارفة انا بعمل إيه خطوة بخطوة وشايفة انا بتعب ازاي.
-أنا عارفة كل ده.. وخلاص الحمدلله المركز خلص والأمور استقرت.. فى إيه بقى؟
-المركز خلص الحمدلله واسمه بقى كبير وبكده زاد الشغل عليا أكتر واكتر.. وبعدين يا نادين كل ده عشان مين.. عشان عمرك ما تحسي انك أقل من أي حد حواليكي.. عشان عمرك ما تحسي اني حارمك أو حارم بنتي من حاجة.. أنا بعمل كل ده علشانكم.
-بس انا بتكلم في إحساس يا حسن.. إحساسي انك بعيد عنِّي أنا ولميس تاعبني.. أنا مخنوقة أوي.
-زي ما انا بتعب وبستحمل تعب الشغل.. إنتي كمان لازم تستحملي انشغالي عنكم.
-زهقت.. أنا مبعملش أي حاجة واليوم طويل عليا.
-محسساني اني حابسك في البيت.
-الفراغ يا حسن.. الفراغ اللي انا فيه خنقني.
-اشغلي فراغك.. عندك النت وعندك الكتب في المكتبة ولو عايزة تشتركي في أي نشاط خيري معنديش مانع.
-وانت.. مش هتحاول خالص تدينا شوية من وقتك؟
-أنا هحاول.. بس انتي عارفة ان وقتي مش ملكي لوحدي.. أنا ببقى نايم وتليفون بينزلني اجري.
-عندك منى.. أو جيب دكتورين تلاتة يشيلوا عنك الشغل شوية.
-يعني واحدة بتتابع معايا حمل 9 شهور اجي ساعة الولادة أقولها معلش أصل عايز انام روحي لدكتور تاني.
-متتريقش عليا يا حسن.
-مش بتريق بس بعرفك إن الحامل بتكون عايزة الدكتور اللي هي مطّمنة له وعارف كل حاجة عن حَملها مش دكتور لسه بتشوفه لأول مرة.
-والحل؟
-أنا أي وقت فاضي فيه يبقى ملككم انتم.. غصب عنِّي يا نادين.
صمتت نادين بعدما شعرت أن الكلام لا جدوى منه، ولا يوجد حلول فحسن معذور وعقلها مقتنع تمام الاقتناع بكلامه.. أما مشاعرها كزوجة تريد زوجها، لا علاقة لها بما اقتنعت به.

ساد الصمت بينهما.. اقتربت سيدة تبدو في الثلاثينات منهما على استحياء
بدأت السيدة كلامها:
-صباح الخير.. مدام نادين؟؟
ابتسمت نادين ابتسامة مرتعشة وهي تهز رأسها إيجابًا وتنظر لحسن الذي رأته يشيح بنظره عنها ويتجاهل الموقف.
أردفت السيدة التي لم تلحَظ نظرات نادين لحسن:
-أنا مبسوطة أوي اني شفتك النهاردة.. أنا وجوزي بنحبك أوي.. كل فيلم ليكي كان بينزل لينا معاه ذكريات من أيام خطوبتنا.. مش هترجعي تاني؟؟
ردت نادين وهي تختلس نظرة سريعة لحسن الذي عقد حاجبيه استياءً:
-ميرسي أوي.. بس الحقيقة أنا اتفرغت تمامًا لبيتي.
علقت السيدة وهي تصافح نادين:
-خسارة.. بس المهم انك مبسوطة.. أسفة لإزعاجك.. بعد إذنك.
انسحبت السيدة بعد أن تركت صمتًا يحمل صخبًا يدور في رأس كل من نادين وحسن.. حسن وعلى مدى السنوات مازال يضيق بمن يقتحم خلوتهما حتى وإن كان للحظات بسيطة.. أما نادين فتلك اللحظات كانت تسعدها كثيرًا ولكنها تتألم من رد فعل حسن.
تجاهَل كل منهما الموقف.. نظر حسن لساعته:
-يالا عشان ورايا شغل.. هوصَّلك البيت ولَّا تيجي معايا المركز وترجعي بعربيتك؟

رواية بلاتوه ... الفصل الأول

(1)
فتحَتْ «نادين» عينيها على صوتِ نغمة رنين هاتف زوجها.. لمحت الشروق من خلف ستارة غرفة النوم.. سمعته يرد بهمس وهو يخرج مسرعًا من الغرفة: "ألو.. أيوة.. مالها بالظبط؟"
لم تسمع أكثر من ذلك سوى صوت الباب يُغلَق.. نظرت في الساعة بجوارها، وجدتها الخامسة والنصف صباحًا..

نهضت بخطوات متباطئة.. فتحت الباب في نفس اللحظة التي عاد فيها زوجها.
-إنتي صحيتي؟
-أه.
-أكيد صوت التليفون صحاكي.
-أيوة.

دخل حمَّام غرفة النوم.. خرج بعد أقل من خمس دقائق، بينما كانت نادين جالسة تنتظره.. سألتْه:
-انت نازل؟
-أيوة.. أنا آسف ان صوت التليفون صحَّاكي.
-يا«حسن» يا حبيبي انت ملحقتش تنام.. إنت راجع الساعة 2ونص منمتش 3 ساعات على بعض.
-أعمل ايه بس يا حبيبتي.. شغلي.. نامي انتي وكمِّلي نومك.

صمتت نادين تفكر في ال15 سنة الماضية.. سنوات زواجها من حسن الذي عشقته بكل جوارحها..
تعلم أنه يبادلها العشق.. ولكن ماذا حدث في السنوات الثلاث الأخيرة؟ ذبل حبه؟ لا.. لا يمكن أن يقل حب حسن لها.. ملل.. خرس زوجي كما يُقَال؟
ربما.. ولكن من أين سيأتي الملل وهي متجددة باستمرار؟!

قطع أفكارها ضم حسن لها وطبْع قُبلة على جبينها بعدما انتهى من ارتداء ملابسه:
-كمِّلي نومك وانا شوية وراجع إن شاءالله.
-هستناك.
-ليه؟!.. نامي انتي وارتاحى، إفرضي اتأخرت.
-أنا مبقاش بيجيلي نوم وانت بعيد يا حسن.. أنا نومي بقى ملخبط بسبب شغلك.
-حقك عليا.. غصب عني.. أنا هنزل بقى عشان متأخرش على اللي مستنياني.. حرام اسيبها كده.
-ماشي يا حبيبي.. ربنا معاك.

أوصلته حتى الباب.. قبَّلته وودَّعته وأغلقت الباب.
عادت إلى غرفتها.. اتجهت لسريرها.. عدلت من قرارها بمحاولة النوم لمحاولة التسلية إلى أن يعود.. وقفت أمام مكتبة الأفلام.. انتقت فيلمًا تحبه.. وضعته في الـــ”DVD” وضغطت "تشغيل"..
جلست تشاهد الفيلم.. وأوقفت الصورة على اسمها النجمة «نادين» ابتسمت وهي ترى اسمها لامعًا على الشاشة، اجتاحتها لحظات حنين للفن الذي هجرته من أجل الحب.. حنين لم تنجح يومًا في قتله.. على عكس ما تتظاهر به من أنها نسيَتْ الفن تمامًا.
أعادت تشغيل الفيلم.. ورجعت بظهرها للخلف.. كل مشهد كانت تراه، تتذكر معه كواليس التصوير.. أيام جميلة قضتها مع زملائها كُلِّلَت بسعادتها بنجاح الفيلم، ولكن أروع ما في تلك الأيام.. هو ذكريات تعارفها بحسن في ذلك الوقت.
بلاتوه التصوير
يُجرَى التحضير للمشهد على قدمٍ وساق.. المخرج يطلق صرخاته يريد الانتهاء من المشهد الذي يحضِّر له من الصباح.. عُمَّال الإضاءة، الديكور، التصوير، كل منهم يتمم على عمله، كل شيء على ما يرام.

ينادي المخرج"فين نادين؟"
تأتي نادين بعدما انتهت من ارتداء ملابس التصوير والماكياج الخاص به، تقف مساعدتها وقتذاك «هناء»، تنتظرها وتستمتع بالمشاهدة ..
هدوء تام.. كلاكيت..
تندمج نادين في المشهد الذي تمثله.. المشهد يتطلب تركيزًا عاليًا؛ فلايوجد حوار ولا ممثل آخر أمامها.. فقط تمثل بعينيها وبحركات جسدها..
صمت مطبق.. حتى الأنفاس محبوسة.
يخترق الصمت صرخة عالية.. يلتفت الجميع لمصدر الصراخ، تجد نادين مساعدتها هناء على الأرض تبكى وتصرخ، تقبل عليها مسرعة.. تباعد مابين الجمع الواقف حولها:
-مالك ياهناء؟
-مش عارفة.. بسقَط ولا بولِد مش عارفة.. تعبانة أوي.
تكمل صراخها.. ترتبك نادين فزِعة:
-انتي مش لسه في السادس.. ايه اللي حصل؟
تبكى هناء.. لا تجد ردًّا..
يقترح أحد الموجودين " نطلب الإسعاف".
نادين: أنا لسه هستنى الإسعاف.. أنا هاخدها حالًا على المستشفى.. حد يساعدني نسندها لحد العربية.

تصل نادين على أقرب مستشفى خاص.. نادين وهناء وحدهما.
هناء بالنسبة لنادين ليست مساعدة فقط.. فهي تعتبرها صديقة مقربة.. معجبة بإرادتها ورغبتها في عيش حياة كريمة باجتهادها رغم كل ما مرت به من ظروف وفاة والدها ومرض والدتها.. عملها بجوار دراستها حتى حصلت على دبلوم التجارة.. قوَّتها في صدِّ أية محاولة من رجل بلا مبادئ بالتقرب منها واستغلال حاجتها المادية.

تعرفا في ظرفٍ عادي.. أحضرها البواب لوالدة نادين لتنظيف الشقة، تعودت أن تحضر للتنظيف مرتين في الأسبوع، أمانتها وحلاوة لسانها جعلاها تدخل قلب نادين ووالدتها من أوسع الأبواب.
ومع ظهور أول فرصة لنادين في بطولة فيلم كوجهٍ جديدٍ، طلبت من هناء أن تكون معها دائمًا وتترك عملها بالبيت.

على مدار أربع سنوات لم تستطع هناء مفارقة نادين، حتى بعد زواجها.. قررت الاستمرار في العمل معها. لم تجد معارضة من زوجها.. فهو سافر للعمل بعد الزواج بشهرين، تاركًا قرار العمل في يد هناء وحدها.. تبعًا لما تتحمله قدرتها دون إجبارٍ منه على الاستمرار من عدمه.
ترجَّلت نادين من السيارة مسرعة.. طلبتْ من أحد الممرضين مساعدتها لاستقبال الحالة التي بصحبتها.
"د.حسن شاهين"..
ردت عليها إحدى الممرضات عندما سألتها نادين عن طبيب النساء الموجود بالمستشفى.
لم تسمع نادين اسمه من قبل.. ربما لأنها لم تحتَج حتى الآن لدكتور أمراض نساء وولادة وهذه هي المرة الأولى التي تتعامل فيها مباشرة مع حالة ولادة.. وربما إجهاض.. وحتى الآن لم تتضح حالة هناء بعد..
سألتها نادين مرة أخرى:
-طيب هو فين؟؟ هيسيبها كده.
ردت الممرضة بابتسامة:
-متقلقيش.. احنا دخَّلنا الحالة العمليات وزمان دكتور حسن دخلها خلاص.
جلست نادين قلقة.. بينما استطردت الممرضة:
-هو حضرتك مفيش فيلم جديد قريب؟
حاولت نادين أن تتغلب على قلقها بصعوبة وردت مبتسمة:
-فيه قريب إن شاءالله.. إحنا بنصور حاليًا.
-هيَّ اللي معاكي دي قريبة حضرتك؟
-يعني.. حاجة زي كده.
-ربنا يقومها بالسلامة إن شاءالله.
-يارب.. هو الدكتور ده كويس؟
-طبعًا.. دكتور حسن ماشاءالله عليه.. ممتاز.

بعد ساعتين..
كانت نادين تحتسي القهوة في مكتب "د. حسن".. سألته عن حالة هناء بالتفصيل:
-هىَّ دلوقتي كويسة
-كويسة ازاي .. دي بتتألم أوي.
ابتسم وهو يطمئنها:
-أكيد لازم تتألم.. مش خارجة من عملية قيصرية.. بس بالنسبة لنا هي كده بخير العملية تمام وفاقت واتكلمت الحمدلله.
-الحمدلله.. والبيبي؟؟
-هو حاليًا في الحضَّانة.. بس مقدرش أأكد هيعيش ولا لأ.
-يارب يعيش.. لو حصل حاجة هحس بالذنب.
-ليه؟؟ذنبك ايه؟
-الفترة اللي فاتت كنت بشتغل كتير وهي معايا دايمًا.. يعني انا السبب في تعبها ده كله.
-هوِّني على نفسك.. ده كل شيء نصيب.. ياما ناس بتولد في التاسع وبتكون مرتاحة ومبيحصلش نصيب وياما ناس بتولد بدري عن معادها والطفل بيعيش.
-ربنا يستر.
نهضت نادين لتعود لهناء مرة أخرى قائلة:
-ميرسي يادكتور.
نهض بدوره هو الآخر.. اتجه خلفها لباب المكتب، وقبل أن تخرج.. بادرها قائلًا:
-هطَّمئن عليها بالليل إن شاءالله.
سكت قليلًا وسألها:
-هتكوني موجودة؟
ردَّت بتلقائية:
-أكيد.
مدَّ يده يصافحها:
-يبقى اشوفك بالليل إن شاءالله.
مدت يديها صافحته.
لم تستطع الرد.. فقد تجمعت كل أحاسيس الدفء والأمان في لمسة يده ليدها، رفعت عينيها لعينيه.. وجدت بريقًا جذبها في هوّة عميقة فصلتها عن الزمان والمكان.. حديثٌ صامت دار بينهما.. لا يسُمَع بالأذن.. فقط القلوب هي من تستطيع فك شفرته.

تنهدت نادين بعدما أفاقت من ذكرياتها، أكملت الفيلم وهي تتذكَّر كيف تطوَّر الحب بينهما بسرعة، وفي وقت قليل نسبيًا.. وبعد الانتهاء من الفيلم صارحها حسن برغبته في الزواج منها.. ولكن.. شرط أن تكون زوجة فقط.. زوجته وحبيبته ورفيقة دربه، وأن تترك الشهرة والأضواء والفن ليستطيعا تكوين أسرة مستقرة.
أخذت وقتًا في التفكير كما طلب منها حسن ووعدها أنها لن تندم أبدًا إذا اختارته
عانت ليالٍ طويلة من صراع بين حبين؛ حبها لحسن وحبها للفن.. قررت أن تختار الفن.. ومع أول أيام الفراق انهارت قوتها في المقاومة واتصلت بحسن وأخبرته باختيارها له.

ونفَّذ حسن وعده بأنها لن تندم.. فبعد عام من الزواج وبعد أن كُلِّلت سعادتهما بوجود لميس في حياتهما، وجدت أن السعادة تتمثل في بيتها وزوجها وابنتهما
كان نعم الزوج المحب المتفاني في إسعاد زوجته وابنته، لكن.. الثلاث سنوات الأخيرة...

*********************
وصل حسن بعد أقل من ساعة لمركز الولادة الذي يمتلكه، يحتل المركز الدور الأول علوي كاملًا في برج سكني، يحتوى على غرفتي عمليات وغرف متعددة للحالات، بالإضافة لغرفة كبيرة إدارية تشمل الحسابات وشئون العاملين.. غير عيادته الملحق بها غرفة انتظار وعيادة أخرى لـ «منى» مُلحَق بها غرفة انتظار، وغرفة استراحة الممرضات، وكافتيريا صغيرة ملحقة بمطبخ كبير.
كان في انتظاره زوج الحالة التي فاجأها المخاض.. بعد توقيع الكشف عليها طمأن أهلها: "متقلقوش.. لسه قُدَّامها شوية.. أنا ف مكتبي وهجيلها كل نص ساعة".
وأمرَ الممرضة الموجودة برفقته:"خليكي متابعاها لو لقيتيها قربت ناديلي".
دخل مكتبه، وقف أمام المكتبة.. أخذ كتابًا وجلس على المكتب.. نظر نظرة خاطفة لصورته مع نادين ولميس، فتح الكتاب الذي بين يديه، وبعد قراءته لأول صفحة، سمع طرقات الباب، وفُتِح الباب، ودخلت دكتورة منى ابنة خالته وزميلته في المركز:
-صباح الخير ياحسن.
-منى!! صباح النور.. ايه اللي جابك بدري كده.
جلست أمامه وأرادت أن تغير مسار الحديث فسألتْه:
-إنت مروَّحتش من امبارح؟
-لا روَّحت وجيت من شوية.
-فطِرت؟
-لأ لسه.
-طيب، أنا هقوم اجيب حاجة من الكافتيريا.

خرجت منى من المكتب.. وحسن يتابعها بعينيه. غابت خمس دقائق وعادت مرة أخرى:
-ثواني ويجيبولنا ساندويتشات وشاي.
نظر لها حسن في عينيها.. وجدهما ذابلتين.
-مالِك يا منى.
اغتصبت ابتسامة وهي تجيبه:
-مفيش حاجة.
دقَّق النظر في عينيها:
-مش عليا يا منى.. مالِك؟
اغرورقت عيناها بالدموع وفشلت في كتمان ما يحمله قلبها:
-أنا خلاص تعبت يا حسن.. حتى بيتي مش عارفة ارتاح فيه.. إنت عارف أنا جايَّة بدري ليه؟
-ليه؟
-عشان انام شوية.. سايبة بيتي وجاية انام على سرير مستشفى عشان مش لاقية راحتي ف بيتي.
-حماتك برضه؟
-أيوة.. بقت لا تطاق بجد.
-ايه الجديد.
-الجديد ان قُعَادها عندى بقى أمر واقع وبتتحكم في البيت كأنه بيتها.
-وأسامة؟
-كل ما اكلمه يقولّي امي ومقدرش اسيبها بعد ما اختي سافرت لجوزها.
-تحبي اكلمه.
-زي قِلِّته يا حسن.. هيرد عليك بنفس الكلام.
أخرج حسن مفتاحًا صغيرًا من درج مكتبه.. ناوله لمنى:
-ده مفتاح المكتب.. لما نخلَّص فطار هروح أمرّ على الحالات واقفلي على نفسك ونامي هنا.. السرير هنا مُريح مش هيتعبك.
تناولته منى وابتسمت له شاكرة.
قاطعهما عامل الكافتيريا الذي أحضر الإفطار، تركه على طاولة صغيرة وخرج.

تناولا إفطارهما معًا..
كانت منى تتناول الطعام بحزنٍ وهي شاردة، بينما يتابعها حسن بقلبٍ يرق لحالها.

قاطعهما دخول الممرضة:
-دكتور حسن.. المدام خلاص الطلق زاد عليها أوي.
-دكتور مختار جه ولا لسه؟
-لسه.
انفعل حسن وأكمل بصوت مرتفع:
-ازاي لسه مجاش لحد دلوقتي.. أنا مكلمه من قبل ما اجي.
ارتبكت الممرضة ولم تجد ردًّا.
سألته منى:
-هيَّ مش هتولد طبيعي.. عايز مختار في ايه؟
-عايزُه أو مش عايزُه.. كلمته يبقى ييجي مش يتأخر كده.. افرضي كانت هتولد قيصري ميبقاش دكتور التخدير موجود.

أمسك حسن تليفونه، وأجرى اتصالًا بمختار ومنى والممرضة تترقبان ثورة حسن على مختار.. يزفر حسن زفرة حادة قائلًا: "كنسل عليا".
يسمع صوت مختار قريبًا.. يدخل المكتب:
-كنسلت عشان وصلت.. أنا تحت أمرك يا دكتور.
-خليك جاهز يمكن احتاجلك.

تركه حسن في المكتب مع منى.. وخرج مع الممرضة ليلحق حالته.

الأربعاء، 22 أبريل، 2015

قلوب مغلقة






قريبا ان شاءالله بالمكتبات

لمتابعة اخبار الرواية

 https://www.facebook.com/pages/%D9%82%D9%84%D9%88%D8%A8-%D9%85%D8%BA%D9%84%D9%82%D8%A9/665828860188288?fref=ts

الأحد، 22 فبراير، 2015

عقد عرفى الحلقة 3



الحلقة 3

نهض من مجلسه... وهو يشير على يمين الصالة
"هدخل الحمام بسرعة واجيلك... اوضة النوم هنا على اليمين"
هزت رأسها... سبقها للحمام..ونهضت وهى تمسك بحقيبتها لتتجه لغرفة النوم

فجأة...توقفت عندما تذكرت الرجل الذى رأته فى المترو
لحظات تفكر وتنظر حولها وكأنها افاقت من غيبوبة للتو
رأت العقد مازال على الطاولة... اسرعت بأخذه وخرجت مسرعة من الشقة وهى تركض ولا تنظر للخلف

ابتعدت عن المنزل بسرعة... مشيت من شارع آخر غير الذى جاءت منه... مازال العقد بيدها... مزقته قطعا صغيرة وألقته بجانب مقلب قمامة فتطاير قطعا صغيرة متباعدة

سمعت رنة هاتفها ... توقفت تلتقط انفاسها وهى تخرج هاتفها من حقيبة يدها
ردت بأنفاسها المتلاحقة بعدما رأت اسمه
"ايوه"
جاءها صوته متسائلا
"انتى روحتى فين"
اجابت وهى تحاول ان تبدو قوية ثابتة
"انا اسفة مش هقدر... نستنى شوية لحد ما اقنع ماما تانى"
جاءها صوته عاليا...مخيفا
"تانى ايه وزفت ايه... انتى هتلعبى بيا يا...."
لم تصدق انه يسبها هى ووالدتها... الحبيب الحنون مرهف الحس يشتمها...هل تبدل فى لحظة ؟؟!!
لم تستطع سماع ألفاظه...اغلقت الهاتف فورا فى وجهه... اتصل بها مرة اخرى... ترددت هل ترد ام لا؟
قررت الرد ربما اعتذر لها... بمجرد فتحها للمكالمة انهالت عليها ألفاظه وتهديداته مرة اخرى
تهديدات!! كيف تحول لهذا الشخص...نقيض من تحبه؟!
اكملت طريقها حتى المنزل وهى تبكى بعدما اغلقت الهاتف تماما... ظلت تبكى فى منزلها حتى موعد وصول والدتها

فوجئت بها والدتها تبكى بكاءا حارا...سألتها بكل لهفة وقلق وحب
"مالك يا حبيبتى...حصل ايه للعياط ده كله؟"
لم تجد كلمات مناسبة...فأوجزت
"مفيش"
لكن قلق الام لم يتركها...فسألتها
"مفيش ازاى...طمنينى فى ايه؟"
احتضنتها والدتها... فبكت أكثر فى حضنها ولكنها شعرت بالحنان والحب والامان
علاقتها بوالدتها قوية جدا... صديقتان منذ ان رحل والدها ...لم تتوتر العلاقة سوى فى الفترة الاخيرة بعد ان دخل حياتها وتقدم لوالدتها ورفضته
بدأت تهدأ فى حضن والدتها...فسألتها الام
"انتى لسه بتكلميه صح؟؟ هو اللى مزعلك كده؟؟"
ردت على والدتها وهى واثقة فى قرارها
"مش هكلمه تانى... اتطمنى يا ماما"
ضمتها والدتها اكثر وهى تردد
"الحمدلله ان ربنا نور بصيرتك... يا بنتى والله لو كان كويس انا مكنتش قلت لأ ابدا... انما ده واحد سمعته مش كويسة... جاى بيتنا وواضح اوى انه عايز ييجى عالة علينا... ده من اول يوم قال هيتجوز هنا ..بالذمة فيه كده؟؟ عارفة لو شاريكى بس ظروفه وحشة واخلاقة كويسة...كنت قلت وماله تيجوا تقعدوا معايا واهو متسيبينيش بدل ما اقعد لوحدى اكلم الحيطان"
والدتها تداعبها... تبتسم فى محاولة للتخفيف عنها... حاولت مجاراة والدتها كى لا تحزن
فابتعدت قليلا وسألتها وهى تبتسم
"قولى بقى انك عايزانى افضل معاكى"
"لا يا حبيبتى ان شاءالله ربنا يكرمك بابن الحلال وتتجوزى وتتهنى وانا هبقى مبسوطة...بس يكون ابن حلال..هااا مش ابن ستين فى سبعين"
اخذت يد والدتها تقبلها وهى تشعر بالندم... والخوف ايضا
فقالت لوالدتها
"لما حس انى هسيبه هددنى...انا خايفة"
قلقت الام...فسألتها
"بيهددك بايه؟؟ هو ماسك عليكى حاجة"
ردت نافية بسرعة
"ابدا والله مفيش اى حاجة...الحمدلله"
نهضت الام وهى تطمأنها
"خلاص...يبقى يورينى هيعمل ايه... اتطمنى.. امك راجل يا بت"
خرجت من غرفة ابنتها وهى مازالت تتحدث
"هغير هدومى ونتغدا واقوم اعملك حاجة حلوة... حلاوة ما ربنا هداكى"
ابتسمت بعد ان شعرت بالحب الجارف لوالدتها... كلمة والدتها صادقة...ربنا هداها... والحب أيضا هو من أنقذها
الحب القوى الحقيقى الذى لا يُقارن بأى حب آخر... حبها لوالدتها وحب والدتها لها
فالرجل الذى رأته... والذى تذكرته .. كان خطيب تقدم للزواج من والدتها منذ 15 عاما... كانت طفلة ووالدتها شابة والجميع يقنعها بالزواج حتى بدأت تقتنع
وفى احدى الليالى ..وهى تنام فى حضن والدتها كالعادة
بكت فى حضن والدتها...واخبرتها انها تحبها وتخشى ان يأخذها زوجها منها...ولو معنويا... تخاف ان يشاركها احد حبها
فى الصباح... انهت والدتها مشروع الزواج الذى لم يتم... وسمعتها تخبر الرجل .. رجل المترو الذى تذكرته بصعوبة
"انا اسفة مش هقدر... بنتى محتاجة لى اكتر".

                      تـــــــــمـــــــــت