الأربعاء، 22 يونيو، 2016

رواية بلاتوه ... الفصل الخامس

(5)

قضت منى ساعتين بعد نزول أسامة مابين الاتصال به رغم إغلاقه الهاتف وبين انتظاره في الشرفة، حتى أنهكها التعب تمامًا وجلست تنتظره على السرير فنامت رغما عنها ورغم قلقها، استيقظت فزِعة على صوت لم تتبينه في البداية وبعد تركيز أيقنت أنه صوت زفة سيارات في الشارع. نهضت متباطئة وهي تنظر في الساعة وجدتها تخطت منتصف الليل بنصف ساعة فلم تشعر بنفسها ولا بالوقت في الساعات الماضية. بحثت في الشقة على أمل أن تجد أسامة قد عاد ولم تسمعه،
فلم تجده.. أعادت الاتصال به وكانت النتيجة كسابقاتها؛ الهاتف مغلق.
                           
ظلت تفكر فيم يمكن أن يكون حدث.. أو أين ذهب.. سيارته معطلة.. والدته تشاجر معها.. شقيقته في السعودية مع زوجها.. ترى أين ذهب؟؟ ظل لسانها يدعو الله أن يعود سالمًا ويطمئن قلبها عليه.
وقفت في الشرفة تنتظره.. تأخر الوقت وتألمت قدماها من الانتظار، زغللت عيناها من البحث بين المارة تارة وبين سيارات الأجرة التي تمر في الشارع تارة أخرى.
شعرت بالصداع.. عادت للسرير مرة أخرى، متمنية أن تطمئن حتى تستطيع أن تنام.
حدَّثَت نفسها:
-هوَّ انا كل ما اجي انام تحصل حاجة.. دماغي هتنفجر.
بعد قليل وأثناء تفكيرها، سمعت صوت باب الشقة، ابتسمت مطمئنة أن أسامة عاد وبخير. انتظرت مكانها وتظاهرت بالنوم لترى ماذا سيفعل.

سمعت وقع خطواته في الشقة.. تأخر قليلًا قبل وصوله لغرفة النوم فأيقنت أنه دخل يرى والدته في الغرفة الأخرى.. بعد قليل اقتربت خطواته من الغرفة.. أغمضت منى عينيها.
سمعته فتح باب الغرفة، ثم فتح الدولاب وأغلقه وخرج.

جلست منى بعد خروج أسامة.. تعجبت من دخوله وخروجه السريع ولم تفهم أين ذهب. أمسكت رأسها الذي يؤلمها وهي تفكر.. كيف تتصرف؟
نهضت متباطئة بعد أن اطمأنت أن أسامة مازال في الشقة لأنها لم تسمع صوت الباب، خرجت من غرفتها.. بحثت في المطبخ والحمَّام وانتهت بالغرفة الأخرى، وجدته قد بدَّل ملابسه ونام في الغرفة التي كانت تنام بها والدته. لم ترَ وجهه إن كان نائمًا أو مازال يقظًا.. استنتجت أنه لم ينم بعد.. اقتربت منه.. نامت بجواره.. أحاطته بذراعها.. التصقت به.. وألصقت وجهها في ظهره بعد أن قبلته.

لم يحرك ساكنًا.. ولم يبادرها الحديث.
فبادرت هي:
-قلقتني عليك أوي.. كنت رد عليا وبعدين اقفل التليفون.
ردَّ بنبرة حادة وهو يزيح يديها عنه:
-متقلقيش تاني.. كان لازم افكر لوحدي وخلاص فكرت وقررت.

جلس نصف جلسة وملامحه متجهمة.. جلست منى أمامه ونظراتها مثبتة على عينيه وسألته بتردد وترقب:
-فكرت ف ايه.. وقرار ايه اللي تقصده.
-نتطلق..
نطقها بسرعة وهو ينهض قائمًا من السرير وأكمل حديثه:
-أيوة انا خبيت عليكي عشان متخيرينيش.. غلطت اني خبيت عليكي كان لازم تعرفي كل حاجة وانتي تختاري.. كنت أناني ف تفكيري عشان بحبك وخايف اخسرك.. أنا هقولك على كل حاجة.
قاطعته منى ودموعها تنحدر:
-أنا عارفة كل حاجة من 4 شهور.
نظر لها بتعجب وعدم تصديق:
-عارفة ايه؟
-عارفة انك بتتعالج عشان اتأخرنا في الخلفة.
-عرفتي منين؟؟ الدكتور اللي روحت له يعرفك؟؟ هو اللي قالك؟؟ بس هو ميعرفش انك مراتي.
-محدش قالي.. أنا عملت تحاليل من سنتين ولما اتأكدت ان مفيش عندى أي حاجة تمنعني من الحمل سكت ورضيت ومحبتش أقولك تكشف عشان لو طلع عندك أي مشكلة متتضايقش.. لحد من 4 شهور لما شفت التحاليل اللي انت مخبيها.. التحاليل يا أسامة مفيهاش حاجة تقلق.. دي مشكلة عادية وعلاجها يمكن ياخد وقت.. وحتى لو مش هنخلف خالص أنا بحبك انت أكتر من طفل لسه معرفوش ومشفتوش.. أنا معرفتش الأمان إلا معاك انت.. أنا قلبي اتفتَّح على حبك انت.. إنت كل عيلتي اللي موعيتش عليها.. من يوم حادثة بابا وماما ولما خالتي الله يرحمها أخدتني عندها كانت هي وجوزها وحسن بيعتبروني واحدة من البيت بس أنا من جوايا كنت عارفة اني ضيفة وان بيتهم مش بيتي.. حسن طول عمره بيعاملني كأخته بس فرق السن الكبير اللي بيننا خلاني مفتقدة وجود الاخوات.. انت دخلت حياتي كنت كل عيلتي اللي اتحرمت منها.. شفت فيك الأخ والحبيب والزوج والابن كمان.. مبحسش بالأمان والراحة إلا ف بيتنا.. مبحسش بطعم الحياة إلا وانت فيها.. كل ده تقولِّي بكل بساطة قررت نتطلق؟!

أسامة كان يسمعها وهو يقف أمام الشباك نظراته معلقة بالفضاء لا يفصله عن الخارج سوى الرؤية الضبابية التي سببتها دموعه، ظل يستمع لها دون قدرة على مقاطعتها أو النظر إليها.. يحبها حقًا.. ولكنه يكره أن تراه في موقف ضعف.
انتهت من حديثها.. ظلَّ صامتًا.

لحظات الصمت الثقيل تمر وتنتظر منى أي تعليق منه على حديثها، لم تجد ردًا.. اقتربت منه.. استدارت لتقف أمامه وواجهته
-متاخدنيش بذنب مش ذنبي.
أجهشت بالبكاء.. أسندت رأسها على صدره وهي تكمل:
-الصبح جرحتني لما قلتلي ان مامتك عندك أهم منى وسكتت وكنت طول اليوم مستنية منك مكالمة حتى لو هتقولي انتي فين.. ولما رجعت ملحقتش اكلمك وحصل اللي حصل وغضبت ونزلت مع انه مش ذنبي وانا ولا اعرف حاجة عن إن مامتك لقيت الدوا.. كنت هموت من القلق عليك ومستنياك لمجرد اني اطمن عليك.. قلت لنفسي مش هعاتبك على أي حاجة بس كفاية انك تكون جنبي.. وبعد كل ده الاقي رد فعلك بمنتهى القسوة وانا معملتش حاجة.. أنا مش عايزة غير انك تحن عليا يا أسامة.. كتير عليا؟؟

ظل أسامة ثابتا ينظر في الفضاء ومنى تبكى بين ذراعيه.. حائرًا بين الرغبة في ضمها إليه بقوة والاعتذار لها عن كل ما بدر منه وما بين التصميم على ما وصل إليه بتفكيره وقراره بالطلاق حتى لا تطلبه منه في أحد الأيام.. رُدِّدَت كلمات منى الأخيرة في أذنه: "مش عايزة غير إنك تحن عليا".
ضمها بقوة واستسلم لدموعه ولم يخفِها.. قبَّل شعرها وهي مازالت تبكي بين يديه:
-متزعليش يا منى.. أنا خايف .. خايف ييجي اليوم اللي تسيبيني فيه عشان كده بقسى عليكي.. الصبح لما قلتلك ماما أهم عندى عشان تبطلوا خناق مش أكتر.. أنا جيت عليكي عشان مقدرش اجي عليها مهما كان هي أمي اللي ضحت كتير علشاني انا وأختي.. ولما قلت نتطلق كان برضه عشان تيجي منِّي انا ومتطلبيهاش وتكسريني.
نظرت له منى بتعجب.. سألته:
-ايه اللي حصلنا يا أسامة.. كنا أقرب لبعض من كده.. ليه بعِدنا أوي بالشكل ده.
أخذ يديها وأجلسها بجواره على حافة السرير:
-أنا عارف السبب.
سألته منى باهتمام
-ايه السبب؟؟ أنا قصرت ف حاجة؟
-السبب فيا أنا مش فيكي.
قاطعته منى:
-بس يا أسامة.. مش عايزين نتكلم في اللي فات.. عايزين نرجع لبعض تاني زي الأول.. أقرب كمان من الأول.. مش عايزين ظروفنا ولا مشاكلنا تبعدنا تاني عن بعض.. ومتجيش عليا تاني.. انت عارف اني معترضتش على وجود مامتك بس هي صعبة أوي ومع ذلك أهلا بيها البيت بيتها.. المهم انك متظلمنيش.. متبقاش انت وهي عليا.
-بتحرجيني بالذوق يا منى.. عاقبتيني بعقلك وقلبك الكبير.
-ربنا عالم اني بتكلم معاك من قلبي.. ولا قاصدة احرجك ولا اعاقبك.
ضمها إليه بحنان وحب.. ابتسمت منى بسعادة واطمئنان وصوت نجاة الصغيرة يتردد داخلها ويتراقص مع دقات قلبها "ما أحلى الرجوع إليه".

                         *********************

في نفس التوقيت، وفي مكان آخر.. بعيدًا جدًا.. في شقة «أماني» شقيقة أسامة في مدينة نجران بالسعودية.. تجلس أماني في حجرتها.. أضواء المنزل كلها مطفأة
تقلِّب في مجلة قديمة بملل شديد.. نظراتها معلقة على الكلمات ولكن عقلها بعيدًا جدًا.. عقلها في مصر بجوار والدتها.. حضرت لزوجها منذ شهرين فقط.. ولكن بعد أول أسبوع ندمت كثيرًا أنها ألحَّت عليه في استقدامها.. تقدم لها «سيد» تقليديًا عن طريق إحدى الجارات.. فرِحَت به كما فرحت به والدتها عندما جاء لزيارتهما..محاسب ويعمل في السعودية، يكبرها بعامين فقط، وسيم، لَبِق، ذوق.. صارحهم بأنه في بداية حياته العملية، وأنه يساعد نفسه بنفسه ماديًا، وأنه يريد الاستقرار وتكوين أسرة بما يتناسب مع قدراته.

تردد أسامة في البداية، ولكن أماني ووالدتها كان يشغلهن الثلاثون عامًا "عُمر أماني" وقلة طالبي الزواج منها لا لعيب ما فيها، ولكن لعدم مشاركتها في الحياة العملية فهي لم تعمل من بعد تخرجها من الجامعة ولا تخرج إلا لزيارة الأقارب مع والدتها.. كادت أماني أن تفقد أملها في الزواج.. لكن بظهور سيد في حياتها تبدَّل الحال وكادت تطير من السعادة عندما تمسَّك بها سيد وطلب منها أن تقف بجواره حتى يتسنى لهما تكوين أسرة معًا. وافقت على الارتباط به دون شبْكَة أو زفاف أو شقة. اتفق مع أسامة أن يتم الزواج في أحد الفنادق في فترة الإجازة بدلًا من أن يتم فرش شقة وتُغلق لدواعي السفر ثم يسافر ويترك أماني حتى ينتهي عقد عمله ويعود ويؤسس شقته.

وافق أسامة على مضض بعد إلحاح أماني ووالدته.
تم الزواج في خلال شهرين الإجازة.. وتزوجا في أحد الفنادق المتوسطة.. أسبوع وودعها وسافر.. انتظرته عامًا بكل شوق ولهفة، لم يربطهما سوى الرسائل المتبادلة من خلال الإنترنت.. حتى عاد في إجازة.. عاد محملًا بخيبة الأمل والشكوى من ضائقة مالية يمر بها. تحملت ظروفه القاسية واستضافته طوال فترة الإجازة في بيت والدتها.. حتى انتهت الإجازة وأُعيدت الكرة مرة أخرى.
عام آخر من البعاد والرسائل المتبادلة عن بعد.. عام آخر وأماني لم تشعر بأنها تزوجت.. فمازالت تسكن بيتها.. تنام في نفس غرفتها.. تعيش وحيدة والاسم زوجة.
قررت أن تطالب زوجها بالعودة أو باستقدامها، رفض سيد بحجة أن مكان سكنه يناسب رجل أعزب ولا يناسب زوجين.. ألحت أماني.. زادت في إلحاحها وأخبرته أنها راضية بكل الظروف في مقابل أن يعيشا معًا.. ومع الإلحاح المتواصل.. وافق سيد.. وسافرت أماني وهي ترسم في أحلامها حياة مستقرة سعيدة بعد حرمان عامين تزوجت فيهما شهرين وأسبوع.
ولكن.. أبي القدر أن يحقق لها غايتها، فوجدت حياة عكس ما تتمنى.. بعد أسبوع.. وبعد أن ذهبت السَكرة وجاءت الفكرة، وجدت شخصًا آخر لم تعرفه ولم تألفه من قبل.. فبعد صدمتها الأولى من الشقة الضيقة جدًا التي يعيش بها سيد، وأثاثها المتهالك والذي علمت بعدما سألته أنه قديم ومستعمل، وجدت شخصًا بخيلًا ماديًا يتكتم الحديث عن راتبه أو خصوصياته المادية، منعزلًا عن زملائه حتى لا يزورهم أو يزوروه حتى لا يتكلف أعباء اجتماعية مادية في غير قدرته على حد قوله.

سمعت صوت الباب ووصول سيد.. نهضت لاستقباله مبتسمة.. فعلى الأقل وجوده يخفف من وحدتها حتى لو كان نائمًا.. لفت نظرها دخوله خاوي اليدين.. فسألته:
-انت مجبتش عشا؟
رد متعجبًا:
-ايه يا أماني ده.. فيه واحدة أول ما تستقبل جوزها تسأله جبت عشا؟
-أسفة.. حمدالله ع السلامة.
ردَّ وهو يتجه نحو غرفة النوم وهي خلفه:
-الله يسلمك.. حضرى العشا بسرعة الله يكرمك.
-أحضَّر ايه يا سيد.. ما انا بسألك اهو جبت عشا؟
-مش فيه أكل هنا؟
-لأ مفيش.
-ازاي.. أنا نازل وكان فيه بيضتين وييجي 3 حتت جبنة رومي.
ردت باستغراب:
-وهو ده العشا اللي كنا هنتعشاه.. أنا جعت وعملت البيضتين وأكلتهم.
احمرَّ وجهه غضبًا بينما احمرَّ وجهها خجلًا عندما سألها متأكدا:
-أكلتيهم.. الاتنين؟؟
ردت بصوت خافت:
-إنت هتعد عليا الأكل.. دول بيضتين.
جز سيد على أسنانه وهو يحاول أن يبدو هادئًا.. وابتسم ابتسامة مصطنعة وهو يردد:
-لا أبدًا.. أنا بس مش عايزك تتخني.. خلي بالك الأكل الكتير هيتخنك وانا محبش الست التخينة.
-لا متقلقش.. أنا بقالي سنين أصلا بحاول اتخن شوية حتى 5 كيلو عشان اوصل للوزن المثالي ومفيش فايدة.
-طيب اعمليلي اتعشى.. انتي طبعا مش هتتعشي مرتين هه هه.
كم تمنت أن تلكمه في أسنانه التي ظهرت من بين ابتسامته المزيفة تلك.. لم تكن المرة الأولى التي يمرر لها رسائل جادة في صورة دعابة سخيفة تتحملها.. فهي ليست غبية وتتمكن بسهولة بعد عِشرة شهرين أن تميز طباع زوجها، أفاقت من شرودها على صوته وهو يردد:
-العشا يا أماني.

دخلت المطبخ.. لم تجد سوى لقيمات قليلة من الخبز والجبن الرومي.. وضعتهم له في طبق وقدمتهم له:
-اتفضل.. ده الموجود.
تناولهم منها ببساطة واعتياد:
-يا سلام.. فضل ونعمة.

جلست أماني أمامه تنظر له في دهشة وهو يتناول طعامه، لم يدعوها ولو بالكذب لتشاركه الطعام.. ضاقت به.. نظرت حولها شعرت أن الجدران تكاد تطبق على أنفاسها تخنقها أكثر .

انتهى من تناول طعامه.. اتجه لغرفته، عندما وصل للباب.. التفت لها قائلًا
-إنتي هتفضلي قاعدة عندك؟
-فيه حاجة؟
-اه.. تعالي جنبي شوية.
-انت مش جاي من الشغل تعبان.. نام انت وارتاح.
-ما انا هرتاح برضه.
فهمت أماني ما يلمح له.. لكنها كانت في حالة من النفور وصلت لأقصى درجة ممكنة.
فكرت في أقل من الثانية أن الصراحة لا تفيد في كل الأحيان، فابتسمت وقالت له
-مش هينفع يا سيد.
-ليه؟
نظرت للأرض وتصنعت الإحراج:
-مش هينفع.. افهم.
دخل حجرته وهو يعلق:
-طيب.. تصبحي على خير.
بمجرد أن التفت وأعطاها ظهره، شعرت بدوار.. أمسكت معدتها التي شعرت بانقلابها، رددت داخلها: "لا.. مش قادرة أكتر من كده".
واتخذت قرارًا كانت تفكر به وأصبح لا مفر من اتخاذه والعمل على تنفيذه.




الخميس، 28 يناير، 2016

رواية الدائرة "الفصل 3\ 4"



تنويه:لن يتم نشر الرواية كاملة بل الحلقات الاولى فقط

               3

أميرة بجانب خطيبها في سيارته.. تشع عيناهما بالسعادة، تسأله أميرة عن التفاصيل في يومه.. وتؤكد عليه موعد خروجها من الكوافير.
- حبيبتي.. كفاية توتر، أنا عملت كل اللي قلت عليه.. كل حاجة ناقصة في الشقة وديتها، ومكنش ناقص إلا حاجات بسيطة يعني.. مش هتأخر على معاد الكوافير وهتلاقيني عندك قبل ما تخلصي.. متقلقيش بقى.
- تفتكر هطلع حلوة.. بص كان فيه حباية هنا على خدي الشمال.. باينة.
يدقق خطيبها النظر في خدها.. وبلهجة جدية:
- إيه ده؟؟
تنتفض أميرة وتقترب من مرآة السيارة:
- ايه باينة؟
- لا.. انا اقصد ايه ده القمر ده!
تضربه أميرة على كتفه برفقٍ وهي تضحك:
- كده.. خضيتني.
- لا متتخضيش.. حبيبتي زَي القمر وهتبقى أحلى عروسة.
يقف بالسيارة أمام الكوافير.. تودعه أميرة بابتسامة ويودعها على وعدٍ باللقاء بعد ساعات.
*  *  *
في حفل الزفاف.. كانت أميرة تبدو ملكة متوجة على عرش الحب، تزينها نظرات الحب المتبادلة بينها وبين زوجها أكثر مما تزينها مساحيق التجميل وفستان الزفاف.
يدها متشابكة بيدِ زوجها لا تفترقان إلا عند مصافحة المهنئين ويعودان للتشابك مرة أخرى، كالطير الذي يعود متلهفًا لفرخِه.
نظرات عينيهما تتلاقى بين الحين والآخر وكأن الأصل هو الالتقاء والالتفات للمدعوين هو الدخيل عليهما.
                             
على طاولة قريبة، يجلس صلاح وسلمى تتوسطهما فرح، يهمس صلاح في أذن فرح:
 - عقبالنا زيهم .
تضحك فرح متمنية تتويج حبها بالزواج مثل صديقتها:
 يارب.
تتشابك يداهما وتتسارع ضربات القلوب من شدة الحب.

سلمى الأكثر أناقة وجمالًا في الحفل.. تلتفت يمينا فتجد أميرة وزوجها يرقصان في حُبٍّ وسعادة، تلتفت يسارا فتجد فرح وصلاح والهمسات والابتسامات ترتسم على شفتيهما.
يشتعل الحب حولها حتى شعرت أن الفضاء حولها يملؤه قلوب حمراء.
يشتعل قلبها بنار الغيرة .. الحب حولها ولا تجد لنفسها نصيبًا.. تدخن بشراهة .. عادة سيئة اكتسبتها مؤخرًا.. تحرق السيجارة كما تحترق أعصابها..
تتساءل: لِم هي الوحيدة؟ وصديقتاها لكل منهما رَجلها وحدها؟! أما هي، فالوحيدة التي تتعلق ببقايا رجل..
تُقرب سيجارتها من فمها.. تلتمع دبلتها الماس أمام ناظريها.. تردد وهي تحبس دموعها وتتحكم في عدم نزولها:
"مفيش حاجة ببلاش"

             *  *  *

بعد انتهاء حفل الزفاف في ساعات الصباح الأولى، تنحت فرح بسلمى جانبًا:
- مالك يا سلمى؟
- مالي؟
- شايفاكي قاعدة سرحانة وبتشربي سجاير كتير أوي .. مش عادتك يعني؟
- إنتي لاحظتي إمتى.. أنا شايفاكي مش دريانة بالدنيا وانتي وصلاح في دنيا تانية.
- لا طبعًا اخدت بالي بس معرفتش اسألك قدام صلاح.. مالك؟
- متاخديش في بالك.. عادي.
- إحكي لي.
- مش وقته.. ومفيش جديد شوية نكد من كامل وخلاص .. اتعودت.
لم تجد فرح أي كلام تواسي به صديقتها.. فقد حذرتها من قبل من زيجتها، ولكن سلمى لم تستمع للنصائح.
غادرت سلمى.. وطلبت فرح من صلاح أن يقود السيارة بدلًا منها.
            *  *  *
فتحت فرح باب الشقة وأغلقته بهدوء حتى لا تزعج والديها النائمين في هذه الساعة المتأخرة.

فُتِح نور الصالة فجأة.. انتفضت.. وجدت والدها أمامها يصرخ بأعلى صوته:
- جاية تتسحبي كده ليه يافرح؟
ردت بعد أن استوعبت المفاجأة:
- مش بتسحب انا بس فاكراكم نايمين.
- وإيه اللي مخلّي الزفت ده يركن عربيتك وينزل منها.. قبل ما تنكري أنا كنت واقف وشفتكم.
جاءت والدتها وأم صابر تهرولان على صوت صراخ محمد.
ردت فرح على والدها بصوت مختنقٍ:
- أنا مقلتش إني جاية بدري وحضرتك عارف اني في فرح اميرة.. وصلاح كان معايا ولو سألتني قبل ماتزعق كنت هقول الحقيقة مش هكذب.. يابابا صلاح بقاله شهور بيطلبني منك وكل مرة تقوله حجة شكل .
- مش هتتجوزيه يافرح.
لم تستطع فرح أن تحبس دموعها أكثر من ذلك، ردت وهي تبكي:
- ليه.. مش هتجوزه ليه؟ أنا بحبه وهو بيحبني.
اقتربت منها أم صابر تهدئها:
- تعالي يا فرح.. مش وقته.
أما والدتها فتدخَّلت:
- بالراحة يامحمد.. الكلام ميبقاش كده.
- أنا ليه اجوّز بنتي الوحيدة لواحد طمعان فيها.. ليه.. إيه اللي يجبرني على كده؟
- يابابا طمعان في إيه بس.
- في فلوسى اللي هتبقى فلوسك.. إنتي مش شايفاه كحيان هو وأهله.
- طيب انا وهو مش عايزين منك أي مساعدة.. وافق بس اننا نتجوز.. مش عايزين أكتر من كده .
محمد ناهيًا كلامه بحسم:
- مش هتتجوزيه يا فرح.. هتتجوزي واحد من مستوانا يليق بيكي وبيا.. مش هرمي فلوسي وشركتي اللي تعبت فيها لواحد ضحك عليكي بكلمتين حب.

*  *  *






               4
بعد خمس سنوات

في هذا المكتب الفسيح.. ذي الأثاث الراقي، تجلس فرح على مقعدها الوثير.. تقلب أوراق أمامها، تسمع طرقات الباب.. ترفع عينيها في انتظار دخول سكرتيرتها أو أحد موظفي الشركة.. يُفتح الباب.. يدخل عماد ويجلس أمامها:
- خلّصتى؟
ترد باقتضاب:
- إنت رجعت على الشركة ليه ومروّحتش من برة برة؟
- رجعت علشان نروّح مع بعض .
- النهارده الخميس وانا هتغدا عند ماما.. إيه اللي اتغير؟
- هو فيه مشكلة لو جيت معاكي عند مامتك؟
ردَّت وهي تلملم أوراقها في ملف.. وأشياءها الخاصة تضعها في حقيبتها:
- أبدًا ولا مشكلة ولا حاجة.. عايز تيجي تعالى.
هبَّ عماد واقفًا.. سار بجوارها وهي متجهة للباب..
التفتت له:
- إشمعنى النهارده؟
- مالك يافرح.. بقالك فترة كده متغيرة معايا؟
- متغيرة في ايه؟
- بتبعدي عنِّي.. مبقيناش زي الأول.
- إحنا في الشركة ياعماد.. لينا بيت نتكلم فيه.
- ماشي يا فرح.. لازم نتكلم واعرف مالك متغيرة كده ليه.
*  *  *

في منزل والدة فرح.. يجلس ثلاثتهم على السفرة لتناول الغداء..
زينب:  منور ياعماد.. إعزمي على جوزك يا فرح.
فرح: أجيبلك حاجة؟
عماد: لأ شكرًا.
وبابتسامة متوددة من عماد لحماته:
- طنط.. عايز اشتكي لك من فرح.
 اندهشت فرح.. تركت الشوكة من يدها باستياء:
- تشتكي من إيه؟
تجاهل عماد كلامها.. أكمل لحماته:
- فرح مش راضية تبطل حبوب منع الحمل.. من أول يوم جواز وهي بتاخدها وانا نفسي اخلّف.
زينب باستغراب:
- ليه كده يافرح؟؟ فيه واحدة في الدنيا منفسهاش تبقى أُم؟
- لأ طبعًا ياماما نفسي وكل حاجة.. بس مستنية شوية.
عماد: مستنية إيه.. وهتستنى لإمتى؟؟ لحد ما متلحقيش تخلّفي
استاءت زينب من كلامه، شعرت أنه يريد تذكرتها بأن ابنتها تخطت الثلاثين وربما قد تصل بعد بضع سنين إلى سنٍّ تفقد فيه قدرتها على الإنجاب.. مشاعر متداخلة من الضيق لأنها ابنتها والتسليم بالحقيقة.. فهو لم يكذب ومن الطبيعي أن تتخذ قرار الإنجاب قبل فوات الأوان .. لا أن تؤجله.. وردت عليه زينب:
- إيه الكلام ده ياعماد؟ هي لسه صغيرة مش كبيرة للدرجة دي علشان تقولها كده.
تراجع عماد وتكلم بابتسامة بعد إحساسه بضيق زينب:
- طبعا يا طنط.. أنا بس نفسى نخلف عيل واتنين وهى لسه صغيرة كده.
غيرت فرح الموضوع:
- داداااااا.. اعملي لي قهوة لحد ما اغسل إيدي.
تركتهما فرح وذهبت للحمَّام.
مال عماد على حماته.. وبصوتٍ هامس:
- شايفة.. أهي اتقمصت.. بقالها فترة كلامها قليل معايا ومتغيرة وانا مش عارف مالها.
- ما انت أكيد زعلتها.. بنتي وانا عارفاها لما بتزعل بتخبي ف نفسها.
- والله ما عملتلها حاجة.. أنا مِلك إيديها وبحبها ومش عايز يبقى بيننا أي مشاكل.

صوت خطوات فرح عائدة من الحمَّام.. نهض عماد:
- طيب انا نازل مش عايزين حاجة؟
ردَّت عليه والدة فرح:
- ما تقعد يا ابنى
- عماد معلش.. هروح ازور ماما وبعدين هروح لاصحابي.. هتروّحي إمتى يا فرح؟
- زي كل خميس .. بعد ما اقابل البنات في النادي.
            *  *  *
فرح في حجرتها في بيت والدتها.. على السرير، متكئة على وسادتين وبين يديها ألبوم صور
تقلِّب بين طياته وتتذكر طفولتها السعيدة بين والديها.. يقاطعها دخول زينب.. وجلوسها على حافة السرير، تُعدل فرح من جلستها.. لتصير جالسة أمام والدتها.
أخذت زينب الألبوم.. نظرت للصور.. وبتنهيدة عميقة: الله يرحمه.
ردت فرح تأكيدًا:
- الله يرحمه .. مش ناوية يا ماما تسمعي كلامي بقى؟
- على إيه؟
- أشوف لك شقة جنبي بدل هنا.
- وانا إيه اللي يوديني حتة معرفهاش وسط ناس معرفهمش.. أنا مش هسيب بيتي يا فرح.
- هتعملي زي بابا الله يرحمه برضو.. البيت هنا قديم وانا عايزاكي تيجى جنبي.
- مش انتي بيتك في الحتة اللي اخترتيها.. خلاص سيبيني براحتي، أنا مبسوطة هنا.
وبنبرة جدية.. أكملت:
- قوليلي بقى يا فرح.. مالك؟؟ مانعة الخلفة ليه؟
وبصوت صادق ردَّت فرح:
- مش مانعاها.. أنا بس مأجلاها .
- ليه؟؟ عماد معاه حق.. هتخلفي إمتى وانتي عديتي التلاتين؟
تضحك فرح لتختصر الكلام في ما لا تريد:
- مكبرتش أوي يعني.
نظرت لها زينب في عينيها مباشرة.. بعدت فرح نظراتها عن والدتها:
- عماد معاه حق
انتبهت فرح لكلامها:
- في ايه؟
- انتي متغيرة.. مالك؟ مخبية إيه عني؟
دمعت فرح.. احتضنتها زينب بحنان:
- مالك؟؟؟ طمنيني مالك؟
- مخنوقة ياماما .
- من إيه يا حبيبتي.. احكي لي.
 مسحت فرح دموعها .. قامت تنظر في المرآة:
- شفتي الماسكرا هببت عيني.
- متتهربيش يا فرح.. بلا ماسكرا بلا زفت .. إحكي لي مالك؟
فرح تحاول البحث على مبرر:
- أبدًا.. هو بس بيزن على الخلفة وانا مش عايزة دلوقتي.
- ليه؟
- علشان الشركة ياماما.. هتلبخ بعيال ومين يخلي باله من شركة بابا الله يرحمه.
- ياسلاااام.. ما كلها موظفين يقدروا يمشوها لو حتى غبتي سنة.. وقلقانة ليه مش جوزك عارف شغل الشركة ويقدر يراعيها ف غيابك؟
- أه عارف.. بس .. 
- بس ايه.. انتي مبسوطة مع جوزك؟
- الحمدلله
- صوتك وشكلك بيقول غير كده؟؟  
فرح بتتنهُّد:
- حاسة اني اتسرعت في الجوازة دي.
- ليه؟
- محبيتوش وبفكر اطلب الطلاق.
صرخت الأم :
- يعني إيه محبيتهوش.. انتى حد غصبك عليه ولا عرفتي ان صلاح رجع؟
قطعت زينب كلامها.. تلاقت نظراتهما لحظة وكل منهما لديها الكثير من الكلام.. كل منهما مترددة .. هل تكمل الحديث أم تتوقف.




رواية الدائرة



بمناسبة بدء معرض القاهرة الدولى للكتاب... انشر الفصول الاولى من رواية الدائرة والمتوفرة حاليا بمعرض الكتاب والمكتبات "لن يتم نشر الرواية كاملة ولكن الفصول الاولى فقط كدعاية للرواية"

             الدائرة
             ــــــــــــ

               1
وقفت فرح أمام مرآة حجرة نومها بعدما أتمَّت ارتداء ملابسها، مدت يديها نحو أحمر الشفاه، ولكنها تراجعت .. نظرت لنفسها في المرآة، لم تجد دافعًا يجعلها تتزين؛ خاصة أن الساعة لم تتجاوز العاشرة صباحًا.. صففت شعرها ذيل حصان وأخذت هاتفها المحمول ومفاتيح سيارتها وخرجت من غرفتها.
مرت بردهة طويلة حتى وصلت للمطبخ.
-صباح الخير يادادة
 -صباح الفل يا نور عيني.. هحضرلك الفطار.
- لأ يدوب ألحق اروح المطار مش عايزة اتأخر .
- طيب اعملك ساندويتش تاكليه ف العربية.
ضحكت فرح:
- كبرت على حكاية السندوتشات دي .. أنا عندي 26 سنة.
- هتفضلي برضو بنتي الصغيرة.
 - طبعًا يادادة.. ماما فين؟
- مدخلتيلهاش .. قاعدة في البلكونة بتشرب القهوة.
- طيب هروح اصبّح عليها وانزل.
عادة والدة فرح لم تغيِّرها منذ سنوات طويلة؛ تشرب قهوتها الصباحية في الشرفة، بجوارها راديو "ترانزستور" تتابع من خلاله فقرات برنامج إلى ربات البيوت وما إن ينتهي تبدأ الإشراف على أعمال المنزل.
دخلت فرح البلكونة لوالدتها.. كانت تهم بالنهوض بعدما أغلقت الراديو.
- صباح الخير ياماما.. ابلة فضيلة خلصت؟
- صباح النور.. أه لسه خالصة حالًا.
- يااااه من زمان مسمعتهاش.
- ابقي قومي بدري وانتي تسمعيها.
- ما انا قمت بدري اهو.. أنا نازلة.
- خلي بالك من الطريق وسوقي على مهلك.
- حاضر .
خرجتا معًا من الشرفة.. وصلت فرح للباب وعندما فتحته:
- دادة.. متعمليش حسابى على الغدا .
سألتها والدتها:
- ليه؟
- ماما انتي نسيتي.. النهارده فرح أميرة.
- ما انا فاكرة.. انتي هتروحى كده بالجينز؟
- مش لسه هوصّل بابا.. لما ارجع هاخد الفستان واروح الكوافير لأميرة، وسلمى هتقابلنا هناك، ونبقى نجيب أي حاجة خفيفة.
- طيب.. عقبالك يا حبيبتي .. نفسي افرح بيكي بقى
ردت فرح بانكسار:
- قولي لبابا متقوليليش انا.
صمتت والدتها ولم تعلق فرح.. تعلم كلتاهما أن الصمت عجزٌ.. ومن بيده الأمر هو فقط من يستطيع الكلام.

              *  *  *

جلست فرح في سيارتها.. أدارت المحرِّك وتحركت في اتجاه المطار لاستقبال والدها، رنَّ تليفونها.. ردت.. أتاها صوت صلاح:
- صحيتي؟
 طبعًا.. مش قايلالك رايحة اجيب بابا من المطار.
- مكلمتنيش ليه؟
- كنت لسه هكلمك اهو.. عملت إيه جهزت نفسك؟
- هجهز نفسي اعمل ايه يا فرح يعني هروح اجيب فستان ولا اروح للكوافير زيكم.
ضحكت فرح:
- طيب متتأخرش عليا بالليل .
- وانا اقدر اتأخر عنك أبدًا.. ده انتي بتوحشينى قبل ما ابعد عنك.
- آآآه ياقلبى هيغمى عليا.. مقدرش ع الكلام الحلو ده .
- لا الله يخليكي ركزي في طريقك علشان ترجعيلي بالسلامة .
- حاضر متقلقش انت بس .
- سلام يا فرحتىي.
- مع السلامة يا حبيبي
أنهت فرح المكالمة، وقامت بتشغيل كاسيت السيارة، ورددت مع الأغنية بمنتهى العشق والهيام:
" أنا أنا أنا بعشقك "
           *  *  *

استقبلت فرح والدها باشتياقٍ .. ضمَّها إليه وهو يقبِّلها:
- وحشتينى يافرح .
- وانت يابابا.. حمدالله على السلامة.
- الله يسلمك يا حبيبتي.
تقدمت فرح في اتجاه صديق والدها ومدت يدها تصافحه:
- حمدالله على السلامة يا انكل.. إنتوا كنتوا مسافرين مع بعض ولا إيه؟
صافحها محمود كارم صديق والدها:
- اتقابلنا صدفة هناك فاتفقنا نيجي مع بعض.

أنهوا إجراءات الوصول.. وصل ثلاثتهم للسيارة.
سألت فرح  محمود:
- انكل محمود حد جاي يوصلك ولا تيجي اوصّلك.
- أنا مقلتش لحد معاد وصولي.
فردَّ والد فرح:
- خلاص يبقى نوصلك معانا .
أثناء طريق العودة.. توجَّه والد فرح لها بالسؤال:
- أخبار الشركة إيه؟
- كويسة الحمد لله.
- رُحتي؟
- لأ.. كلمتهم في التليفون واتطمنت ان كله تمام.
علق محمد والد فرح موجهًا حديثه لمحمود:
- إتفضل يا سيدي.. بنت محمد الديب بتتصل تطمن على الشركة بالتليفون.
فردَّ محمود موجهًا كلامه لفرح:
- صحيح يافرح.. ليه مبتشتغليش مع بابا؟
- مش عايزة اشتغل يا انكل.. أنا مبسوطة كده.
فعلق والدها:
-أهو ده عيب البنات.. لو كان عندي ولد كان زمانه شايل الشغل كله.
نظرت فرح لوالدها وحدثته معاتبة:
- كده يا بابا.. يعني الولد أحسن من البنت؟
- الولد كان هيشتغل ويكبّر إسمي في السوق يا فرح.. لو انتي تقدرى تعملي كده انزلي معايا وساعديني وخليكي راجل في السوق .
محمود: صح يا فرح.. إنزلي ساعدي بابا.
ردت فرح مازحة:
- أنا لو نزلت السوق هنافسك.. مش كفاية بابا عليك.
ردَّ والداها:
- أنا ومحمود اصحاب بصرف النظر عن المنافسة.. إنزلى انتي الشغل بس وهو راضي بإنك تنافسيه.. مش كده يا ابو طه .
- بقولك ايه.. مادام شايفة نفسك منافسة قوية تعالي اشتغلي معايا، وانا وانتي ننافس ابوكي
- لأ شكرًا.. أنا مش عايزة اوجع دماغي بالبزنس.
محمد: خليكي كده مع سلمى وأميرة اللي طول وقتك معاهم.. بس ياترى بعد ما الاتنين اتجوزوا هيبقوا فاضيين لك؟
محمود: خلاص يا ستي مادام مش عايزة تشتغلي يبقى نقول عقبال ماتتجوزي زي صاحباتك .
ردت فرح وهي تنظر بطرف عينيها لوالدها:
- إن شاءالله.. قريب بإذن الله.
رد والدها بحسم وهو ينظر لها:
- لما ييجي اللي يستاهلك ويقدّرك.. إنتي متتجوزيش أي حد.
أكملت فرح الطريق دون أن تنبس ببنت شفة، وكل ما يشغلها كيف يمكنها إقناع والدها بصلاح.. قلبها يخفق بشدة من الحب والقلق معًا، ولكنها حسمت أمرها بداخلها: "مش هتجوز غيره مهما بابا عمل"

                                                                                                               
*  *  *



                   2

نهضت سلمى من فراشها لتجلس وتُعدل من قميص نومها وتلملم شعرها في عجلة وكأنها تريد الابتعاد بأسرع ما يمكن.
أما زوجها فكان مازال بجانبها تتلاحق أنفاسه إثر المجهود الذي بذله.رغم أنها دقائق معدودة لا تشبع فتاة العشرينات إلا أنها تعد بالنسبة لمن تجاوز الستين من عمره ويعاني من بعض الأمراض التي يستقبل بها شيخوخته، كمن قضى الساعات في سباق طويل للجري.

تجاهلت سلمى وجوده وذهبت للحمَّام، وأخذت حمَّاما اختلطت فيه دموعها الساخنة بمياهه الباردة. أنهت حمَّامها وارتدت ملابس الخروج وذهبت مسرعة لتدخين سيجارة لعلها تهدأ من أعصابها المحترقة. خرج زوجها بعد انتهائه من حمَّامه وارتدائه كامل ملابسه.
- كل دي سجاير شربتيها في الربع ساعة دي؟
لم تعلق وظلت صامتة تنفث دخان سيجارتها في فضاء شقتها الفسيحة الخالية من أي مظهرٍ من مظاهر الحياة.
سألها:
- إنتي لابسة كده ليه؟
- مش انت عارف ان النهارده فرح أميرة صاحبتي.. وانا رايحة معاها للكوافير.
سألها وهو متجه للباب:
- طيب انا نازل مش عايزة حاجة؟
ردت بلا مبالاة:
- هعوز ايه يعني ..
التفت لها وسألها:
- مالك يا سلمى.. مبوزة كده وبتتكلمي بقرف.. لو محتاجة فلوس قولي.
- إنت مش مخليني محتاجة فلوس.. بس انا محتاجة راجل.
غلى الدم في عروقه وسألها منفعلًا:
- تقصدي إيه؟
نهضت من مكانها واقتربت منه وأجابته برجاء:
- مقصدش حاجة.. أنا قصدي محتاجة جوزى جنبي .. إن شالله حتى يومين في الأسبوع بس يبقوا ثابتين بتوعي.. أنا مراتك وليا حق تعدل بيني وبين مراتك الأولانية .. أنا مش طالبة العدل، بس يومين تبقى معايا قاعدين مع بعض.. ناكل ونشرب مع بعض.. إن شالله حتى نتخانق مع بعض بس يبقى فيه حياة.. أنا الوحدة ضايقتني وخنقتني وزهقت.
ربت على كتفها:
- مالك بس يا حبيبتي.. إعقلي كده واحنا م الأول متفقين ان مراتي مينفعش تحس بحاجة.. بس اوعدك قريب هبقى اجي ابات معاكي يوم .
 - إمتى؟
- حسب التساهيل.. وبعدين زهقتي من إيه.. إنتي بتروحي بيت أهلك وقت ماتحبي .. بتخرجي مع اصحابك وقت ما تحبي.. يبقى فين الزهق ده؟
أدركت سلمى أن الحديث معه كالعادة دون جدوى.. صمتت في استسلام.. تركها وخرج.
شعرت بالدم يغلي في عروقها، ولكن ما باليد حيلة.
نظرت على مدى بصرها في الشقة التي لم تكن تحلم بأنها ستمتلك مثلها؛ أثاث.. تحف.. أجهزة للترفيه لم تحلم يومًا بأن تراها لا أن تمتلكها.
رددت في صمتٍ: "مفيش حاجة ببلاش.. هو ده تمن شبابي".
رنَّ تليفونها.. وجدت أنها فرح.. ردَّت:
- ألو.. أيوة يافرح انتي فين؟؟ لا انا لسه في البيت.. لالا جاهزة مسافة السكة واكون عندك.
سكتت لحظات وأكملت:
- بصي هروح مشوار في السريع كده واجي لكم على الكوافير.. مع السلامة.
دخلت حجرة نومها.. فتحت "دولاب" ملابسها.. أخرجت الفستان الذي اشترته خصيصًا لحضور حفل الزفاف.. أمسكته بين يديها ثم أعادته "للدولاب" مرة أخرى.
*  *  *
وقفت سلمى أمام مجموعة من فساتين السهرة.. بعد تفكير قليل.. اختارت أكثرهم أناقة وإثارة، واشترت الإكسسوارات اللازمة له، وذهبت وهي راضية ليس رضاها عن الفستان بحسب.. بل على آلاف الجنيهات التي سحبتها من حساب زوجها لتدفع ثمن الفستان، وكأنها تنتقم من إهماله مشاعرها بتغريمه المزيد من المال.


*  *  *

غدا ان شاءالله نستكمل الفصل 3