الأربعاء، 8 يوليو، 2015

رواية بلاتوه... الفصل الرابع



                             (4)

استيقظت لميس على صوت أم خالد:
-لميس.. قومى يا لميس بقينا المغرب.
ردَّت لميس من تحت وسادتها:
-بتصحيني ليه.. سيبيني انام.
-بقينا المغرب قومي ربنا يهديكي.
أزاحت لميس الوسادة من على رأسها.. ونظرت لأم خالد:
-ربنا يهديني؟؟ أنا مش عارفة انتي حطاني في دماغك ليه؟
ضحكت أم خالد وهي ترتب السرير بعد أن نهضت لميس:
-وانا ليا مين غيرك دلوقتي اخلِّي بالي منه واخاف عليه.. الأول كنت ملبوخة بعيالي وشايلة همهم.. دلوقتي فضيت لك.
رجعت لها لميس مرة أخرى بعد أن كانت اقتربت من الباب:
-تصدقي.. انتي أينعم بتخنقيني بس لما كنتي بتروحي بيتك كنتي بتوحشيني وانا دلوقتي مبسوطة أكتر لما بقيتي قاعدة معانا على طول.
ضمتها أم خالد ضمة حانية:
-إنتي روح قلبى يا لميس.. يا بنتي انا خايفة على صحتك.. زمان كنا بننام بدري وبنصحى بدري وبناكل أكل طبيعي كانت صحتنا كويسة.. انما انتوا زمانكم ده بالأكل اللي بتاكلوه ده بيخليكم شوية برد يرقدوكم.
-متخافيش عليا.. هدخل الحمام واعمليلي شوية "شوكوبوبس" بلبن ساقع.
-شوكوبوبس ايه.. بقولك احنا المغرب.. أنا هحضرلك الغدا تتغدي مع مامتك.
-هى ماما متغديتش لحد دلوقتي؟
-ولا باباكي اتغدى.. واتصل قال جاي فقلت اصحيكي تتغدوا انتوا التلاتة مع بعض.
-ينفع كده يعني.. هفضل ابوسك كل شوية.
قبَّلتها لميس بفرحة وأكملت:
-كويس أووووي انك صحتيني أنا عايزة بابي ضروري.

أثناء جلوس حسن ونادين ولميس على الغداء في بداية المساء، كان الإرهاق باديًا على وجه حسن وعينه تكاد تكون مغلقة، سألته نادين بقلق:
-حسن.. مالك انت مش قادر تفتَّح عينيك؟
-هموت وانام يا نادين.. تعبان أوي.
-يا حبيبي.. إنت فعلا الليلة اللي فاتت ملحقتش تنام.. اتغدى وقوم نام.
-عندي مواعيد في المركز مينفعش.
-اتأخر.. هيحصل ايه يعني.. أو حد يكشف عليهم.. منى فين؟
-منى مشيِت قبل ما امشي بشوية.. هي كمان تعبانة وقالت مش جاية النهاردة.
لميس تتابع حديثهما بهدوء وهي تتناول الطعام:
-هي منى مالها يا حسن؟
-حماتها عاملة معاها مشاكل وقلتلها اتدخل واكلم أسامة قالت لا.
-الأحسن انك متتدخلش إلا لو طلبت منك.
حسن وهو يوجه حديثه للميس:
-مالك؟؟ ساكتة ليه؟
-مستنية لما تفضى لي يابابي.
نظر حسن لنادين نظرة عتاب.. فهمتها نادين فردت على لميس وكأنها تنفي عن نفسها التهمة التي وجهها لها حسن بنظرته:
-ليه يا لميس.. بابي اهو معانا وكل ما بيكون فاضي بيبقى معانا.
-يعني هنسافر امتى؟
نظرت نادين لحسن ثم نظرت للطبق وهي تتناول منه الطعام.. بعد أن ألقت الرد بين يدي حسن .
ردَّ حسن على لميس:
-ان شاءالله قريب.
-امتى يعني؟
-مش عارف يا لميس.. لو عايزين تسافروا انتوا سافروا.
ردّت  نادين:
-مش هينفع اسيبك لوحدك. 
ردَّت عليها لميس:
ليه يامامي.. ما احنا كتير بنسافر لوحدنا.
-مش هينفع اليومين دول يا لميس.. إلا لو سافرنا كلنا مع بعض.
لميس مستاءة:
-يعني ايه.. لا عارفين نسافر مع بعض ولا انا وانتي؟
-لولو حبيبتي.. في أقرب وقت هحاول اظبط شغل المركز مع منى ونسافر.
أنهى حديثه وهو ينهض منتهيًا من طعامه، تبعته نادين، فاستوقفتها لميس:
-هتيجي معايا النادي ولا اروح لوحدي؟
-هنروح بس مش دلوقتى.. لما بابا ينزل.
-وانا لسه هستنى لما ينام ويقوم وننزل.. أنا متقفة مع وعد هنروح الساعة 8 بالكتير.
-استني شوية الدنيا مش هتطير.

تركتها ودخلت غرفتها.. وجدت حسن مازال بملابسه، جالسًا على الكنبة مسنِدًا رأسه للخلف، اقتربت منه وجدته نائمًا، لمسته بهدوء لتوقظه:
-حسن.. قوم يا حبيبي غيَّر هدومك ونام شوية.
استيقظ حسن وهو يحاول إفاقة نفسه:
-قولي لام خالد تعملي كوباية قهوة يا نادين لو سمحتي.
-مش هتنام؟
-لا.. هشرب القهوة واخد دش كده يفوَّقني والبس وانزل.
-يا حسن حرام عليك صحتك يا حبيبي.
-ما انا فعلا مش قادر.. هحاول اخد الكشوفات المهمة واخلَّص بدري واجي انام.
-وافرض جت أي حالة مستعجلة.
-يبقى أمري لله هعمل ايه.. ربنا يستر ومتجيش أي حالات النهاردة.
-طيب انا هعملك القهوة.. أجيبهالك هنا ولا ف المكتب.
-ف المكتب.

خرجت نادين من غرفتها واتجهت للمطبخ، تبعتها لميس وحدثتها وهي تعد القهوة:
-هتنزلي معايا؟
-مش دلوقتي يا لميس.
-طيب انا افضل قاعدة اعمل ايه.. وعد كلمتني ورايحة دلوقتي.. أروح معاها؟؟
-مين هيوديها؟
-وائل اخوها هيوصلها.. أخليهم يعدوا عليا.
ردت نادين بضيق:
-طيب يا لميس.. كفاية زن بقى.

دخلت أم خالد المطبخ:
-أعمل القهوة للدكتور يا مدام؟
-لأ يا ام خالد.. أنا عملتهاله خلاص.. لمييييس معاكي فلوس؟
-لأ.
-طيب روحي خدي من شنطتي.. متقلقيش بابا دلوقتي.
-ميرسي يامامي.

دخلت نادين بالقهوة مكتب حسن.. لم يكن أنهى حمَّامه بعد، وضعت القهوة على المكتب وجلست تنتظره.. دقائق ودخل حسن.. جلس على المكتب، نظرت له نادين بإشفاق وسألته:
-فوقت؟
-شوية.
-أنا عملتلك القهوة تقيلة عشان تفوقك شوية.
-تسلم إيدك يا حبيبتي.
سمعا صوت باب الشقة يُغلق.. سألها:
-حَد جاي لك؟
-لأ أكيد لميس نزلت.. راحت النادي.
-إنتي نازلة؟
-أه ومش هتأخر إن شاءالله.
صمتت لحظات وسألته برجاء:
-حسن.. مابلاش تنزل النهاردة.
-ليه؟ هي أول مرة ابقى مرهق واشتغل؟
-انت بقالك كام يوم نومك قليل أوي وامبارح ملحقتش تنام 3 ساعات على بعض.. حقك ترتاح.
-متقلقيش يا حبيبتي.
نهضت نادين مستسلمة.
-هسيبك لو عايز تقرأ ولا حاجة.. لو عايزني ف حاجة أنا قاعدة برَّه.
-ربنا يخليكى ليا يا أحن إنسانة في الدنيا كلها.
-ربنا يخليك انت لينا ويقويك.
-يعني خلاص مش زعلانة مني ومقدَّرة انشغالي عنكم.
-أنا مقدرش ازعل منك يا حسن.. أنا مليش غيرك في الدنيا، إنت ولميس.
ابتسم لها حسن.. أرسلت له قُبلة وهي تغادر المكتب.
-مش هعطلك أكتر من كده.
                         ********************

وصلت لميس النادي مع صديقتها وعد. اتجهتا للكافتيريا.. وعيناهما تبحث في كل مكان، أشارت وعد بيدها نحو إحدى الطاولات:
-أحمد موجود اهو.

اتجهتا نحو أحمد؛ شاب نحيف وطويل يجلس مع فتاة.
أحمد صديق مشترك لوعد ولميس منذ ثلاث سنوات، ولكن في السنة الأخيرة تطورت الصداقة بين أحمد ولميس، حتى صارحها بإعجابه بها وحبه لها.. لميس ذات الأربعة عشر ربيعًا والتي تخطو أولى خطواتها نحو المراهقة بمشاعر طبيعية
كلمات أحمد بالنسبة لها كانت كنسمة رقيقة هبَّت في صحراء قلبها الذي كان يتوق للحب ومشاعره بصفة عامة. وجود أحمد في حياتها وتقرُّبه منها أوجد في حياتها وقلبها مكانًا له، لم تكن لديها أية محاولات لصد هذا الحب ولا التفكير في مصيره.
أحمد الذي يكبرها بثلاث سنوات والذي أتم عامه السابع عشر منذ شهر مضى، تراه الرجل الذي ستكمل حياتها معه، تأخذ حب والديها مثالًا للحب، وترى في تفاني والدتها في حب والدها وطاعتها له والعمل على إسعاده نموذجًا يُحتذَى به في أية علاقة ناجحة.

عندما رأت تلك الفتاة التي لا تعرفها تجلس مع أحمد دبَّت الغيرة في قلبها وانعكست مشاعرها على ملامح وجهها.. فعبست رغمًا عنها. اقتربت لميس ووعد من الطاولة التي يجلس عليها أحمد ورفيقته، عندما رآهما تهللت أساريره وقال مُرحِّبًا:
-اتأخرتوا ليه؟
نظرتا للفتاة الأخرى بتعجب.. فبادرهما أحمد:
-تعالوا اعرفكم على لبنى صاحبتي معايا في درس العربي.. لميس ووعد صاحباتي.
جلسوا جميعًا.. التزمت لميس الصمت من ضيقها.. لم تبدأ بفتح أي حوار كانت تكتفي بالرد المختصر فقط، وبعد نصف ساعة ثقيلة على لميس استأذنت لبنى في الانصراف ونهض معها أحمد ليوصلها حتى باب النادي.

بعد انصراف أحمد ولبنى، بدأت وعد حديثها:
-ايه البوز ده يا بنتي.. مش كده.
-إنتي مش شايفة يعني قاعد مع واحدة ويقولِّي صاحبته وقايم يوصَّلها.
-عادي يا لولو ما احنا لينا اصحاب.
-أيوة بس من يوم ما ارتبطنا وانا مبقعدش مع حد لوحدي عشان ميتضايقش هو كمان المفروض يعمل زيي.
صمتت وعد بعد أن عجزت عن الرد.

عاد أحمد بعد قليل.. جلس معهم وسأل لميس:
-مالِك؟
-انت مش عارف مالي يعني.
أُحرجت وعد فاستأذنت:" أنا هروح لوسام اختي اشوفها هي زمانها عندها تمرين".
انصرفت قبل ان يرد أحدهما عليها.
كرر أحمد سؤاله للميس:
-مالك.. وايوة مش عارف في ايه.. انتي مكلماني لما صحيتي وكنتي عادية مفيش حاجة.
-مين دي اللي قاعد معاها.
-ما انا قلتلك صاحبتي في الدرس.
-درس ايه يا احمد.. هو انت لسه بدأت دروس؟
-درس العربي السنة اللي فاتت وهناخد درس مع بعض السنة دي كمان.
-مقلتليش يعني ان ليك صاحبات من الدروس.
-عادي.. انتي عارفة ان أي مكان بكون فيه بيكون ليا اصحاب.
-أصحاب مش صاحبات.
-أصحاب أو صاحبات.. هتفرق ف ايه يعني.
-اشمعنى انا بتقولي مكلمش ولاد.
-لا مقلتش متتكلميش.. اتكلمي ف حدود ضيقة أوي.
-اشمعنى انت بتتكلم ف حدود واسعة أوي.
-أنا بغير عليكي.
-يعني انا مبغيرش؟!
-آنا مبحبش حد يقولِّي اعمل إيه ومعملش إيه يا لميس وانتي عارفة ان ليا اصحاب كتير ومش همنع نفسي منهم ولسه هيبقى عندي اصحاب أكتر لما ادخل الجامعة ومبحبش حبيبتي يكون ليها اصحاب ولاد.. عندك أي اعتراض؟
صمتت لميس وهي مستاءة من سياسة الأمر الواقع.
نظر لها أحمد وأردف قائلًا وهو يتركها بمفردها:
-خليكي مبوزة كده.. أنا ايه اللي يقعدني معاكي بالنكد ده.
نظرت له لميس وعاتبته وصوتها مختنق بالعبرات:
-أنا نزلت مخصوص ومستنيتش مامي عشان اجي اقعد معاك.. تقوم تسيبني وتمشي.
عاد أحمد مرة أخرى وجلس معها:
-خلاص يا لميس.. بس متكرريهاش تاني.. أنا مبحبش حد يبقى وصي عليا.. ده بابا معملهاش معايا هتعمليها انتي.
-خلاص أنا أسفة.. متزعلش مني.
-خلاص مفيش حاجة.. عملتي ايه ف السفر.
-بابي مش فاضي ومقالش معاد محدد.

أقبلت عليهما وعد وجلست وهي تقول:
-لسه مخلصتش التمرين.
نظرت وعد لكل من أحمد ولميس.. وسألتهما:
-مالكم.. متخانقين ولا ايه؟
ردَّ أحمد:
 -أنا عملت اللي عليا.. حاولت اخليهم يأجّلوا سفرنا مارينا شوية منفعش.. وأساسا كنا هنصيف في شرم السنة دي بس انا أقنعتهم نروح مارينا عشان لميس.. تيجي الهانم وتقولِّي أنا مش عارفة هيسافروا امتى.. يعني على ما احنا نروح ونرجع تكون هي لسه هتسافر وبدل ما نقضي الصيف مع بعض يبقى كل واحد ف حتة.
لميس مبررة موقفها:
-اعمل ايه طيب.. حاولت اقنع مامي نسافر احنا منفعش.. وبابي وعدني انه هيفضى نفسه ومحددش.
-اشمعني المرة دي مش عايزة تسافر معاكي؟
-أكيد عشان عيد ميلاد بابي قرَّب.. هي قالت لو كنا هنسافر كلنا مع بعض ماشي إنما لو احنا لوحدنا يبقى نستنى شوية فانا فهمت هي مش عازة تسافر ليه.
-مش مشكلتي دي بقى.. أنا عملت اللي عليا وغيرت مصيف السنة دي.
عقبت وعد على كلامهما قائلة:
-أنا عندي فكرة.
انتبها لها منتظرين سماع فكرتها.. فأكملت:
-احنا مسافرين الأسبوع الجاي.. لميس تسافر معانا وطنط تبقى تحصلنا براحتها.
أحمد: قشطة جدًّا.
لميس: تفتكرى مامي هتوافق؟
أحمد يزفر بنفاد صبر:
-لأ بقى كده كتير.. إنتي مش قادرة تقنعيها بحاجة أبدًا.. عايزين نقضّي المصيف مع بعض.
لميس: هحاول اقنعها ويارب توافق.
وعد: لما تيجي هقولها ولو رفضت هخلِّي ماما تحاول معاها كمان.

                           *********************

بعد عودة نادين ولميس من النادي.. دخلت لميس خلف نادين غرفتها وسألتها:
-هااا.. قلتى ايه؟؟ أحضَّر نفسى؟
-لميس.. انتي بقيتي زنانة كده ليه.. بقيتي اُوفر.
-مامي حبيبتي، أنا زهقانة ومش معقول..
قاطعتها نادين:
-زهقانة من ايه.. إنتي عندك كل وسائل الترفيه وتقوليلي زهقانة.. احمدي ربنا يا لميس أنا مبحبش كده.
-الحمدلله والله مقلتش حاجة.. بس يرضيكي يعني اصحابي يسافروا يصيفوا وانا ابقى قاعدة هنا محبوسة في البيت وعلى ما بابي يفضى يكون اصحابي رجعوا واروح انا ابقى لوحدي هناك.
-إشمعنى السنة دي انتي مصممة نسافر.. كل سنة عيلة وعد بيسبقونا واحنا بنحصلهم.
-مامي انتي مش عايزة تسافري عشان عيد ميلاد بابي؟
-أيوة.
-وإذا كان هو مش فاضي وممكن ينسى؟!
-ينسى براحته.. انا مقدرش انسى ولازم احتفل بيه زي كل سنة.
نظرت لميس لنادين وسألتها بابتسامة:
-بتحبيه أوي كده؟
تنهدت نادين وهي تنظر لصورتها مع حسن:
-بحبه!!.. طبعا.. حسن يبقى حبيبي وجوزي وعِشرة عمري.
صمتت لحظات وأردفت بنبرة حزينة:
-بس لو كان يديني شوية من وقته بدل شغله ماهو اخده مني كده كنت هبقى ف منتهى السعادة.
سألتها لميس للمرة العديدة فوق المائة:
-هااا.. هروح معاهم.. أحضَّر نفسى؟؟
-خلاص يا لميس.. لما استأذن بابا.. هي الساعة كام؟
نظرت في الساعة فسبقتها لميس بالإجابة:
-12 وربع.
أخرجت نادين هاتفها من حقيبتها:
-شفتي.. مفيش فايدة.. تعبان ونازل بالعافية وقال مش هيتأخر والشغل أخده محسش بنفسه والساعة داخلة على واحدة.

أردفت بعد قليل:
-التليفون مقفول.. يبقى أكيد جت له ولادة مستعجلة.
نهضت لميس:
-يبقى هيتأخر طبعا.. ولما يتأخر مينفعش اتكلم معاه وبينزل الصبح وانا نايمة.. أخد الرد ازاي انا دلوقتي؟
-هتكلم معاه الصبح واقولك.. هتنامي؟
-لا.. هقعد ع النت شوية.

قبل أن تخرج لميس من الغرفة.. فتحت أم خالد الباب فجأة دون استئذان.. وتحدثت بفزع:
-ارفعي السماعة يا مدام.. ردي ع التليفون.
سألتها نادين باستغراب:
-مين؟
تلعثمت أم خالد وهي تجيبها:
-ب.. بيق.. بيقول.. مستشفى.
رددت نادين وهي ترفع سماعة التليفون الأرضي بقلق
-قصدك المركز عند حسن يعنى؟.. آلو.. أيوة أنا مدام دكتور حسن.
صرخت نادين وهي تسأل الطرف الآخر:
-حادثة!!! حصل له ايه؟؟ أرجوك قولِّي الحقيقة هو حصل له حاجة؟
بدأت الدموع تنهمر من عيني لميس وهي تسألها:
-بابى؟؟ ماله؟؟
ردت نادين على محدثها وسط بكائها:
-حالًا.. مسافة السكة.. مع السلامة.
لم تكن قد بدلت ملابسها بعد.. أخذت حقيبتها وركضت ولميس وأم خالد خلفها وهي تردد: "يارب اكون في كابوس.. يارب ميكونش ده كله بجد.. أنا مقدرش اعيش من غيرُه.. أنا ممكن اموت لو جراله حاجة".

الاثنين، 29 يونيو، 2015

رواية بلاتوه... الفصل الثالث




                                   (3)

جلس أسامة على السفرة بينما كانت والدته تحضِّر له الإفطار.. لم يستطع أن يرفض طلب والدته أن يشاركها إفطارها قبل أن تأخذ دواءها.. جلس مقررًا أن يشاركها الطعام؛ إرضاءً لها فقط. أما هو فلا شهية لديه كما لم يستطع النوم من بعد مغادرة منى للمنزل.

لم تتطرق مشاكلهما يومًا لهذا الحد منذ زواجهما.. يعترف بينه وبين نفسه أنه فقد أعصابه وأنه لم يقصد المعنى الحرفي للكلمة عندما رد عليها منفعلًا: "أمي عندي قبل الناس كلها حتى انتي.. ده بيتي وبالتالي يبقى بيتها.. لو مش عاجبك مع السلامة".

سمع خطوات والدته تقترب.. جلست وبدأت حديثها وهي تناوله الشاي:
-افطر يا حبيبي انت بتتعب وبتيجي متأخر.. هي فاكرة لما تنزل كده مش هتلاقي حد يعملَّك حاجتك.. ده انا عنيا ليك.
-شكرًا يا ماما .. متتعبيش نفسك في حاجة في البيت.
ردَّت وهي تنظر حولها متأففة:
-مبتعبش أنا مش التنظيم.. بقى بذمتك مش ترتيب البيت كده أحلى ما كانت مراتك عاملاه.
-كويس.. كله كويس.
-كويس ايه.. ده انا الناس كلها بتحلف بترتيبي للعفش.. ده انا مكنش بيعدِّي سنة من غير ما ادور البيت واخليه زي الجديد.. انت من ساعة ما اتجوزت وكل حاجة ف مكانها.. إيه مبتزهقوش.
-عادي يا ماما.
-عادي يا ماما!! إنت هتعمل زي مراتك وبدل ما تقولِّي شكرا تقولي شيلتي الحاجة من مكانها ليه.. الحق عليا اللي فاكرة ان ابني هينصفني مش ينصف مراته عليا.. أنا اللي تعبت وربيت ابقى زي الغريبة.
أسامة يقدِّر تمامًا تضحية والدته الأرملة التي توفى زوجها في شبابها وأفنت شبابها وحياتها في تربية أبنائها "أسامة، وأماني". منذ تفتحت عيناه على حقائق الحياة وهو قطع عهدًا على نفسه بأن يعوضها جزاء تضحيتها بكل ما في وسعه. اجتهد في دراسته ليرضيها ويسعدها، ابتعد عن أي صديق له لم تحبه والدته.. فقط إرضاءً لها.. سمع كثيرًا من ينعتونه بأنه "ابن امه".  
لم تؤثر به مطلقًا تلك الكلمة أو تؤثر على علاقته بوالدته
فكل ما يفعله يقوم به برضا واقتناع تام غير مُجبر من والدته، كل ما هنالك أنه يحب والدته ويحب إسعادها ويعتبر نفسه المسئول الأول عنها.. غير مبالي بما قد يقال أو يُفسَّر.

مدَّ يديه ربت على يديها:
-تسلم إيدك طبعا وأكيد البيت كده أحلى.. بس انا مش عايزك تتعِبي نفسك.
-ولَّا عشان مراتك مش عاجبها؟
-لأ طبعًا علشانك انتي.
-ربنا يخليك ليا يا ابن عمري ويحنن قلبك كمان وكمان.
نهض أسامة من مكانه:
-أنا نازل.. عايزة حاجة اجيبها وانا جاي؟
-إنت مكلتش حاجة.
ردَّ كاذبًا:
-لأ أكلت وانتي بتعملي الشاي.
تبعته حتى باب المنزل.. وقبل أن يغادر سألته:
-هيَّ مراتك راحت فين بدري كده.
-معرفش مكلمتهاش.
-يعني ايه متعرفش.. هتروح فين وهيَّ لا ليها أم ولا اخوات.
-يمكن راحت المركز.
ردت مكررة كلماته بسخرية:
-رااااحت المركز.. آآآآه.. طيب.
-أصل هتروح فين يعني.
-انا اعرف بقى.. بقولك إيه.. خلى بالك.. انا مش عارفة انت ازاي سايبها كده.
-كده اللي هوَّ ازاي؟
-من ساعة ماجيت وانا شايفاك لا بتسألها رايحة فين ولا جاية منين.. بتيجى متأخر وتنزل أي وقت هي عايزاه وانت عادي كده.
-شغلها ياماما.
-وانت جوزها يا أسامة.. جوزها اللي أهم من شغلها ده لو كل الوقت في شغلها فعلا.
سأل والدته بشك:
-تقصدى ايه؟
أشاحت بيديها وهي تتظاهر بعدم الاهتمام:
-أنا مالي.. لا اقصد ولا مقصدش.. انت مش صغير.

خرج أسامة وهو يفكر في كلام والدته.. على مدى خمس سنوات سابقة هي مدة زواجه لم يسأل منى قَط عن موعد رجوعها أو وجهتها.. تردد صوت بداخله"ما انت مكنتش بتسألها عشان هي طول عمرها بتسبق وتقولك على كل تحركاتها من غير ما انت تسأل".

أدار محرك السيارة.. لم يَدُر معه، جرب مرة أخرى بدون جدوى، نظر في ساعته وجد أنه قد يتأخر على عمله.
نزل من السيارة وأغلقها.. ووقف ينتظر تاكسي وهو يردد بينه وبين نفسه:"هلاقيها منين ولا منين.. ومنى دي كمان ايه حكايتها وكلام ماما ده تقصد بيه ايه.. تكون شاكة في حاجة ومش عايزة تقولِّي".


                         ********************

دخلت والدة أسامة المطبخ.. رتبته وأخرجت ما تنوي طهيه للغداء، ذهبت لباب الشقة.. أغلقته بالترباس، ثم دخلت حجرة نوم منى.. وقفت برهه على الباب تنظر حولها لكل مكونات الغرفة من أثاث. جلست على أحد طرفي السرير في الجهة التي تنام بها منى، بدأت في تفتيش أدراج "الكومودينو" باهتمام بالغ، لم تجد ما يثير الاهتمام.. نهضت متجهه لدولاب منى. ظلت تفتش ماظهر منه وما بطن ولم تترك أي جزء حتى بين طيات الملابس فتشت فيه، كانت تبحث عن هدفٍ محدد.. لم تعر انتباها لأية أوراق أو نقود أو ألبومات وجدتها أثناء بحثها، كان هدفها محددًا للغاية.. هي تبحث عن مقصدها فقط.. بين كل أغراض منى لم تجد هدفها.

جلست برهة تفكر.. ثم حسمت قرارها بإعادة البحث، ولكن هذه المرة في أغراض أسامة. بدأت بــ "الكومودينو" كما فعلت منذ قليل ولم تجد شيئًا.. ذهبت للدولاب وبدأت البحث بين أرفف ملابس أسامة.
في الرف الأخير وقبل أن تنتهي، وجدت في آخره وتحت محتوياته شريط أقراص،
شعرت أنها وجدت ضالتها المنشودة بالرغم أنها قلبت الشريط بيديها ولم تفهم منه شيئًا.

ابتسمت بانتصار ورددت بينها وبين نفسها:" أنا كنت حاسة.. ياعيني عليك يا بني وكمان مخبياه ف حاجتك .. أه منك يا منى يا مكَّارة.. صحيح ياما تحت الساهي دواهي".

أخذت شريط الأقراص معها في المطبخ.. وضعته فوق الثلاجة وبدأت في طهي الطعام وانتظار أسامة.


                       ********************

قبل المغرب بقليل.. عادت منى منهكة كل آمالها أن تلقي نفسها على سريرها وتذهب في سبات عميق لا تفيق منه إلا بعد أيام. شعرت بالجوع عندما شمت رائحة الطعام الشهي الآتية من المطبخ.
لحظات فتحها للباب وإغلاقه تمنت أن تنهي طعامها سريعًا وتذهب فورًا للنوم. تلفتت على صوت التليفزيون ووجدت حماتها تجلس تشاهد أحد المسلسلات.. ألقت التحية ولم تسمع ردها.

دخلت حجرتها.. كل شيء كما هو.. بدَّلت ملابسها بأكثر ملابس بيتها راحة..
كم تشتاق للراحة.. طيلة الفترة الصباحية في المركز تتنقل من سرير لآخر لتنعم بالنوم، ولكنها لم تقتنص سوى نوم متقطع يثير أعصابها أكثر مما كانت، حتى دبت الحركة وازداد العمل وبدأت الانهماك في العمل وأصبح لا مجال للراحة.

انتهت من أخذ حمامها.. ذهبت للمطبخ، وقفت أمام البوتاجاز، رفعت غطاء إحدى الحلل، انتفضت على صوت حماتها خلفها تسألها:
-بتعملي إيه؟
وقبل أن تبتلع منى لعابها أردفت حماتها قائلة:
-انتي مقلتيش انك جاية ع الغداء فمعملتش حسابك.. مفيش غير غداء أسامة.
شعرت منى بسخونة الدم في وجنتيها من الإحراج، آخر ما كانت تتوقعه أن تتعرض لمثل هذا الموقف.. في بيتها.

تظاهرت بالتماسك..
-أنا اتغديت خلاص .. أنا كنت بشوف لو حاجة عايزة تتحط في التلاجة قبل ما انام.
-انتي هتنامي؟
-أيوة.. هو أسامة فين؟
-لسه مجاش م الشغل.
-غريبة!
-ليه.؟
-أصل عربيِّته راكنة تحت.
وردت والدته مذعورة:
-ايه؟؟ عربيته تحت وساكتة؟
خرجت مسرعة من المطبخ بينما منى تتعجب من رد فعلها المبالغ فيه. تبعتها منى بهدوء.. وجدتها تتصل بلهفة.. استنتجت أنها تتصل بأسامة
وبالفعل بعد قليل سمعتها:
-أيوة يا أسامة.. إنت فين يا حبيبي؟؟ طيب أصل اتخضيت.. أه الغدا جاهز هسخَّن لك حالًا.. مع السلامة.

أغلقت الخط وعادت إلى المطبخ متجاهلة وجود منى، سألتها منى وهي تمر بمحاذاتها:
-هو فين؟
-طالع اهو.
-كان فين؟
-في الشغل؟
-كان في الشغل وبعدين جه ؟.. ولما ساب العربية راح فين؟
-العربية كانت عطلانة ومخدهاش.
-طيب.. بعد إذنك.
دخلت منى غرفتها.. ألقت نفسها على سريرها، وسمحت للدموع التي خنقتها بأن تتحرر من عينيها.

سمعتْ صوت باب الشقة يُفتَح ويُغلَق، وصوت أسامة ووالدته.. حتى اقترب أسامة من باب غرفة النوم. فتح الباب ودخل وأغلقه خلفه.. وبدون أن يلقي عليها التحية، سألها مباشرة:
-كنتي فين طول اليوم يامنى؟
ردَّت دون أن تلتفت له ومازالت دموعها تنحدر:
-في الشغل.
-من الصبح بدري في الشغل.
-أيوة.. ومش قادرة اعاتب ولا اتكلم في اللي حصل يا أسامة.. أنا تعبانة وعايزة انام.
شعر بصوتها مرهقًا.. لم يكن سوى صوت مختنق بالدموع ولكنه لم يلحظه.
بدَّل أسامة ملابسه وخرج من الغرفة بهدوء.


                     ********************

جلست والدة أسامة معه أثناء تناوله الطعام، كانت مترددة بعض الشيء.. فبادرها بالسؤال:
-مالك يا ماما.. عايزة تقولي حاجة؟
ترددت.. ثم أجابت:
-أيوة يا أسامة.. أنا من زمان شاكة بس اتأكدت.

كاد أن يقف الطعام بحلقه.. فقد ربط بين كلامها صباحًا وكلامها الآن
ماذا تقصد؟؟ وماهي تلك الشكوك؟؟حبه لمنى مازال كما هو، وثقته بها أيضًا
ماذا لو كانت الاستنتاجات حقيقة؟
ازدرد طعامه بصعوبة.. وتناول قليلًا من الماء، وبصوت يخشى أن تتحول أفكاره حقيقة:
-اتأكدتي من ايه؟ وازاي؟
مالت والدته عليه قليلًا.. وهمست له:
-مراتك مش مُريحة.. مفيش ست تفضل متجوزة 5 سنين ومحبلتش وهيَّ كمان دكتورة نساء.
اطمأن أسامة أن استنتاجه مجرد هاجس ووسوسة شيطان، ابتسم لوالدته مطمئِنًا لها وأكمل طعامه:
-كل شيء نصيب ياماما.. هي دكتورة آه بس الحمل ده بتاع ربنا.
أعادت كلامها مرة أخرى بنفس اللهجة التحذيرية:
-أنا اتأكدت انها قاصدة متخلفش منك.. وانا هثبتلك.

نهضت من مكانها.. دخلت المطبخ وعادت بعد دقائق بشريط الأقراص ومدت يديها به لأسامة:
-أهو.. بتاخد حاجة تمنع الحمل من وراك.
بمجرد أن وقع نظر أسامة على الأقراص.. هبَّ واقفًا وهو يأخذهم منها:
-إيه ده.. لقيتي ده فين؟
ذعرت الأم من لهجة ابنها الحادة.. أسامة العصبي مع كل الناس كان يضبط أعصابه عندما يتعلق الأمر بوالدته.. ماذا حدث اليوم ليتبدل حاله؟!
ردَّت باستغراب في نفس الوقت الذي جاءت منى جريًا على صوته.
الأم: انت بتزعقلي؟!
منى: فيه ايه؟
صاح أسامة وهو يلقي بالأقراص على الأرض:
-جبتي ده منين؟؟ بتعملى فيا كده ليه؟!
ردت والدته وهي تبكي:
-بتحاميلها عشان معرفش الحقيقة.. بتعمل كده في امك يا أسامة.. يا خسارة تعبي وشقايا وشبابى اللي ضحيت بيه علشانك انت واختك.
لم يرد أسامة وقبل أن تكمل حديثها كان دخل حجرته وبدَّل ملابسه في سرعة البرق.

أما منى فبعد أن وقعت عيناها على الأقراص.. وكل ما يمر حولها بسرعة في ظِل إرهاقها يجعلها تأخذ وقتًا لاستيعاب ما يحدث حولها. بعد أن تناولت الأقراص من على الأرض، وجدت أسامة يخرج مندفعًا من غرفة النوم حتى الباب
لحقته منى وهي تنادي عليه متلهفة:
-استنى يا أسامة.. استنى عايزاك.
لم تفلح كلماتها في استيقافه.. بينما كانت والدته صوتها يعلو من الغرفة وهي تبكي وتندب حظها العاثر بابنها الذي ثار لزوجته وأغضب والدته.
ذهبت منى لمحاولة تهدئتها.. وجدتها حزمت حقيبة ملابسها.
-أنا هبعت البواب ياخد الشنطة.. مش قاعدة لكم.. بكرة هتبقي لوحدك زيي كده ومتلاقيش حد يسأل فيكي.
ردت منى بألم:
-ليه كده؟؟انا عملت ايه بس.
-قلبتي ابني عليا منك لله.. ابني عمره ما زعق في وشي كده ولا كان حتى بيرد عليا.. نزلتي الصبح ياعالم رُحتي فين وعملتي ايه رجعتي الواد اتبدِّل.
-استغفر الله العظيم يارب.. هروح فين بس أنا نزلت عشان مكبَّرش المشكلة.. اطمنى ابنك قالهالي صريحة لو اخترت هختار امي وانا مش بخيَّره بيني وبينك.. أنا معرفش الشيطان اللي دخل بيننا ده ايه.
-اااااه.. الشيطان.. طيب ياختي الشيطان اللي تقصديه سايبلك البيت.
ردت منى بسرعة مصححة ما لم تقصده:
-والله ما اقصد كده خالص.. أنا قصدي شيطان ساعة زعل يعني.
-بت انتي..
-بت؟؟!!
-غلطت في الست الدكتورة.. طيب يا دكتورة.. اشبعي بيه وانا غضبانة عليكم انتم الاتنين.
اتجهت والدة أسامة للباب بسرعة دون أن تنتظر ردًا. فتحت الباب وتركته وراءها مفتوحًا. جلست منى تفكر فيما حدث وما ستجره إليها الأيام التالية. بعد دقائق سمعت رنين الجرس.. نظرت للباب المفتوح وجدت البواب:
-الشنطة بتاعة الحاجة؟
شاورت له منى بأن يتقدم ويأخذها من الردهة.. غادر البواب ونهضت منى وأغلقت الباب خلفه.

دخلت غرفتها.. بحثت عن مسكن للصداع الذي تعانيه من الإرهاق وقلة النوم.. وجدت المسكن.. تناولته، ثم أخذت نفسًا عميقًا بعد أن قررت أن تتصل بأسامة لتعرف أين ذهب وتخبره بمغادرة والدته.
اتصلت.. بعد أول جرس رنين، أغلق المكالمة في وجهها وأغلق الهاتف كله
مما زاد من قلقها.. من المستقبل القريب.