السبت، 5 أكتوبر، 2013

ليلة حمرا... الحلقة الأخيرة

وبكل الحماس غادر ماجد المكتب... وظل مراد مكانه وهو يفكر
"لو لقينا بصمات عوض جوه الشقة تبقى القضية انتهت... لو مالوش اى بصمات يبقى اللى فى الحجز ده ضحك علينا وممكن جدا يكون مسح بصماته او لبس جوانتى مش شرط انه مالوش دافع مباشر انه برئ... يمكن حد محرضُه... لو مش عوض ولا وليد يبقى اكيد القاتل قريب وانا مش شايفُه... مفيش قاتل هيكون عامل حسابه اوى على كل حاجة...لازم غلطة"
                          *******************

فى صباح اليوم التالى
جلس مراد فى مكتبه متوترا منتظرا نتيجة مضاهاة بصمات زينب وعوض بالبصمات الموجودة فى شقة ساندى
يتمنى ان تكون النتيجة ايجابية حتى ينتهى من قضيته التى انهكت تفكيره فى الايام الماضية... وكى يطمئن ان احساسه الامنى ببراءة وصدق رواية وليد يُعتمد عليه بجانب الادلة والبراهين

مضت ثلاث ساعات مرت كدهر...عندما وصل ماجد
استشعر مراد النتيجة من ملامح ماجد المتجهمة
"ايه الاخبار؟"
"النتيجة سلبية... بصماتهم مش موجودة ف مسرح الجريمة"

صمت مراد وهو يفكر ... احساسه الامنى لم يصدقه
قاطعه مراد
"العمل؟؟"
"خلاص... احنا عملنا اللى علينا ودورنا ف كل خيط قدامنا... الواد اللى فى الحبس بيستعبط علينا وكل الادلة ضده... هستدعيه واسمع منه تانى ...لو ملقيتش اى جديد هيتحول بكرة للنيابة"

تم استدعاء وليد للمرة الاخيرة... قص مرة اخرى ماحدث معه تفصيليا منذ ان تعرف على ساندى قبل الحادث بيوم واحد وحتى لحظة وصوله ورؤيتها مذبوحة

ظل مراد يستمع له بتركيز شديد لعله يستطيع ان يجزم بصدق وليد من كذبه
لم يجد مراد جديدا .. فلم يجد سوى القرار الاخير الصواب
تحويل وليد للنيابة
بمجرد سماع وليد بقرار مراد ظل يردد
"انا مظلوم...والله ماعملت حاجة...والله ماقتلتها"
                        *********************

اثناء عودة مراد ليلا من العمل... ظل يفكر فى القضية وهل انهاها بما يرضى ضميره وتاريخه الجنائى ام انه اكتفى بقشور القضية ولم يبحث فى اغوارها
ظل عقله يعمل طوال الطريق حتى انه سلك طريقه بطريقة آلية دون تركيز

وعندما اقترب من منزله...اضاءت عقله فكرة جعلته يلف مقود سيارته بسرعة فى عكس اتجاه منزله
                  ***********************

لم يحدد مراد عما يبحث فى شقة ساندى
ظل يبحث باهتمام فى كل شبر من الشقة الواسعة
جلس يلتقط انفاسه بعد البحث الطويل فى حجرة النوم الرئيسية والتى كانت اخر مكان بحث فيه
توجه للدولاب الذى بحث فيه منذ قليل وتركه مفتوحا
رأى طرف ظرف تحت الملابس...سحبه بهدوء
فتح الظرف وجد عدد قليل من الصور
صورة لرجل بجلباب وطفلين بنت وولد خلفهما اثر سياحى يجهله
صورة اخرى لنفس الرجل يبدو اصغر قليلا من الصورة السابقة يقبل طفلته
صورة شخصية لنفس الرجل وصورة شخصية لامرأة
صورة زفاف للرجل والمرأة اصحاب الصور الشخصية
امسك مراد الصورة الاولى ودقق فيها
الطفلة يبدو عمرها ما بين 10 و 12 سنة و الاخر يبدو اكبر منها قليلا
دقق مراد فى ملامح الطفلة وجدها تشبه ساندى كثيرا
نظر خلف الصورة وجد مكتوب بخط طفولى
(معبد ابيدوس انا ومحمد وبابا 1\9\ 97)
                     *******************

ترك ماجد ظرف الصور على مكتب مراد وهو يسأله
"يعنى الصور دى هتفيد قضيتنا بإيه؟ وايه علاقتها انك أجلت عرض المتهم على النيابة"
"دى سناء"
"ايوه ماهو باين من شكلها...ايه المشكلة"
"سناء مش بنت شوارع...لها اهل اهو اب وام واخ... يا تاهت منهم او انها هربت لاى سبب"
"يعنى هما سايبينها كل ده وهنيجى نقولهم ان بنتهم ماتت"
"او ممكن يكونوا عرفوا طريقها الايام دى واهلها هما اللى قتلوها"
"وهنوصل لاهلها ازاى...احنا اصلا منعرفش اسمها الحقيقى ايه"
"من لبس الاب والام باين انهم صعايدة او فلاحين... نشوف كل بلاغات الغياب فى كل محافظات الفلاحين والصعيد من بعد 97 لحد 2002 من 10 سنين لما قابلت زيزى"
"بلاغات الغياب فين بالظبط"
"كل المحافظات"
"ولنفترض انها هربت منهم وان اهلها صعايدة... تفتكر هيبلغوا عن غيابها؟"
"والله احنا ماشيين بالخطوات المنطقية واحدة واحدة... لقينا اى بلاغ غياب ليها خير ملقيناش هنوصل برضه لاهلها"
"عندك طريقة ؟"
"عندى"
                        **********************

وبالفعل فى الايام التالية كان التركيز كله من مراد وماجد وبعض مساعديهم هو البحث فى جميع بلاغات الغياب بمحافظات مصر جميعها على مدى 10 سنوات

وبعد عناء وجهد ايام... هتف احد المساعدين
"لقيتها يا باشا...بلاغ غياب"
تقدم بملف الى مراد.. اقترب ماجد منه ليرى تفاصيل الملف
فتحه مراد وجد صورة ساندى فى عمر اكبر قليلا من الصورة التى وجدها فى منزلها... شرع فى قراءة البيانات
"فاطمة يسرى عبيد من قرية عنيبس مركز جهينة سوهاج متغيبة من 20 ابريل 2002 عمرها 16 سنة ... المبلغ عن غيابها زوجها حسن ياسين عبيد "

التقت نظرات مراد وماجد فى تساؤل وتعجب
ورددا معاً
"المُبلغ جوزها؟؟!!!"
لحظات من الصمت سادت بينهما لاستيعاب المفاجئة التى لم تخطر لهما على بال قط
بدأ مراد بالكلام
"لازم نروح نستجوب جوزها ده ونشوف ايه حكايتها"
                         *********************

فى دوار عمدة القرية... ذهب مراد وماجد ومأمور المركز لمعرفة معلومات عن ساندى او فاطمة قبل ان تصبح ساندى

جاء احد الخفراء لتقديم الشاى حتى يصل العمدة
بعدها بدقائق وصل عمدة القرية واستقبلهم بترحاب
المأمور"بقولك ايه ياعمدة... الباشاوات جايين من مصر وعايزينك فى خدمة...عايزين يعرفوا كام حاجة كده بس تجيلهم دوغرى ف الكلام"
العمدة"تحت امر الباشاوات"
مراد"احنا عايزين نعرف معلومات عن اصحاب الصورة دى يا عمدة"
مد مراد يده بصورة فاطمة وشقيقها ووالدها
دقق العمدة النظر فى الصورة
"ده يسرى والبت فاطنة بنته الله يرحمهم والواد محمد وهو صغير"
مراد"هما ماتوا ...فاطمة ماتت امتى؟"
العمدة"كانوا بياخدوا عزاها من ييجى اسبوعين ولا 10 ايام كده... البت جابت العار للعيلة كلها...ابوها وامها كانوا نسمة الله يرحمهم مش عارف دى طلعت لمين"
ماجد"يا عمدة انت بتحكى كأننا عارفين حاجة ...واحدة واحدة واحكى الحكاية من الاول"
العمدة"متأخذنيش ياباشا... عايز تعرف ايه بالظبط "
مراد"كل حاجة.... فاطمة اختفت امتى وليه وازاى؟ وهى كانت متجوزة فعلا ؟ ليها عيال؟؟فين اهلها دلوقتى"
العمدة"فاطمة ومحمد دول الخلفة اللى فضلت من عيال يسرى عبيد... يسرى مات وبعدها بسنة مراته ماتت... وبقى محمد وفاطنة لوحدهم ...الواد محمد سافر اسكندرية يشتغل فى المينا وياسين اخد فاطنة عنده... بس ياسين عنده شباب وميصحش يقعد عنده بنت وسط الشباب...قام قالوا ياخدوها لابنه حسن... بس كانت البت بتاعة 15 سنة الا شوية... عملولها شهادة وسننوها وكتبوا كتابها على حسن وقبل ما يدخلوا كانت مع عمها ومرات عمها فى المركز ضاعت منهم ولا هربت الله اعلم المهم انهم قعدوا يدوروا عليها كتير لحد ما زهقوا وكل البلد كانت بتتكلم عن انها هربت لانها كانت دايرة على طوب الارض فى البلد تقولهم انها مش عايزة تتجوز حسن... ومحمد من عارُه سافر وساب مصر كلها ومرجعش غير قريب وقالوا انهم عرفوا طريقها وانها ماتت وعملوا عزا"
ماجد"مقالوش ماتت ازاى"
العمدة بتوجس وادراك ان كلامه سيؤدى بأبناء بلده لمصير سئ... حاول ان ينتقى كلامه لانه يدرك تماما ان اهل المدن لا يعلموا احساس اهل الصعيد بالعار الذى يلتحق ببناتهن عند غيابهن وانه لابد من الثأر للشرف مهما كانت العواقب
اجاب باقتضاب
"مقالوش اكتر من انها ماتت"
ماجد"ومحدش سألهم؟"
اهل القرية جميعا علموا بأن حسن ومحمد ابن عمه ثأرا لشرف عائلتهم بعدما انتشرت الاخبار فى البلد منذ فترة بأن فاطمة بنت عبيد (ماشية فى البطال) على حد قول اهل القرية بعدما تعرف عليها احد شباب القرية من خلال الانترنت واخبر زوجها الذى ارسل فورا لابن عمه بما وصل له من معلومات فأتى من سفره مسرعا لتحرى الأمر
لم يستطع العمدة ان يجيب صدقا حتى لا يثبت التهمة على ابناء قريته اذ ربما وجدا ما يبرئ ساحتهما امام الجهات المسئولة والتى لاتقدر قيمة الشرف لدى الرجل الصعيدى

تقدم مراد بالشكر لعمدة القرية فى مساعدته لهما
وغادر الدوار مع ماجد
                      **********************

بعد إلقاء القبض على حسن ومحمد وترحيلهما للقاهرة
كان مراد منتظرا بشغف نتيجة مضاهاة بصماتهما بالبصمات الموجودة فى مسرح الجريمة
جاءه ماجد فرِحا وهو يهلل
"اخيرا يا باشا... بصمات الاتنين موجودة فى مسرح الجريمة ودافع الجريمة وشهادة اهل البلد انهم عملوا عزا اليومين اللى فاتوا دول بعد 10 سنين غياب لبنتهم يبقى كده القضية اتقفلت"
رد مراد مزهوا بنفسه انه سار فى الطريق الصحيح لتحقيق العدالة وعدم الاكتفاء بأدلة تزج ببرئ خلف القضبان او ربما تحت حبل المشنقة
"كده يبقى مش باقى الا اعترافهم وضميرى يستريح ناحية القضية دى"
                   ************************

اثناء التحقيق مع حسن ومحمد معا... لم يستطيعا الانكار بعد مواجهتهما بكل ما ضدهم من أدلة... وبدءا سرد اعترافاتهما
حسن"دى بنت عمى ومراتى يعنى شرفى اللى مرمطته فى الوحل وكان طبيعى انى لما اعرف انها ماشية فى البطال انتقم لشرفى"
مراد"بعد 10 سنين؟؟"
حسن"لو كنت عرفت لها طريق قبل كده مكنتش استنيت"
مراد موجهها حديثه لمحمد
"وانت؟؟ جيت من سفرك علشان تقتلها؟"
محمد"ايوه... من بعد ما هربت وهى خلتنا مش قادرين نرفع عنينا فى الناس...اول ما حسن كلمنى وقالى اللى بيتقال من جدعان البلد نزلت على طول"
مراد "وعرفتوا طريقها ازاى...عنوانها يعنى؟"
حسن"واحد من معارفنا بقى يكلمها واتعرف عليها وطلب يقابلها ...وبعد ماعرفنا عنوانها نزلنا مصر روحنا راقبنا الشقة واتأكدنا انها هى واستغلينا وقت هادى مكنش البواب موجود وجارتها اللى فى نفس الدور نزلت...طلعنا وخبطنا عليها وفتحت لنا"
مراد"وفتحت لكم الباب عادى كده؟"
محمد"كنا مداريين نفسنا بعيد عن العين وباين عليها كانت مستنية حد لانها فتحت بسرعة"
مراد"احكولى عملتوا ايه بالظبط"
محمد"اول ما شافتنا كانت هتقفل الباب تانى... زقينا الباب ودخلنا وقفلنا ورانا...جريت وهى بتهددنا انها هتبلغ ... دخلت لحد جوه تجيب التليفون... كنا بقينا وراها... انا كنت عايز اقتلها بإيدى"
حسن" دى مراتى انا ... وهربت منى انا... محمد كتفها وانا اللى دبحتها وغسلت عارى بدمها"

بعد سماع اعترافاتهما... قرر مراد تحويلهما للنيابة لاستكمال التحقيق ... واخلاء سبيل وليد
                  ***********************

فور خروج وليد من محبسه... خرج مسرعا للشارع ليتنفس حريته التى سُلبت منه الايام الماضية
كان كل شئ حوله له طعم مختلف... زحام الشوارع وعوادم السيارات التى كثيرا ما اختنق منها اصبحت بالنسبة له كالنسيم العليل فى لحظات ظهيرة شديدة الحرارة
بعيدا عن محبسه والمستقبل المظلم الذى كان ينتظره ...شعر انه ولد من جديد
ولكى تكتمل سعادته... كان لابد ان يذهب لهاجر ليستعيد حبه وتكتمل سعادته فى الحياة
              
بعد اقل من ساعة... كان يطرق باب منزلها
الاحلام بالمستقبل السعيد تتراقص امام عينيه
فُتح الباب...وجد والد هاجر امامه
مد يديه مصافحا
"ازيك ياعمى... وازى هاجر وطنط... انا خرجت من ساعة بس... فين هاجر افرحها"
رد والد هاجر دون ان يصافحه
"وانت عايز ايه من هاجر... احنا بلغنا والدتك بفسخ الخطوبة"
بدأت الاحلام التى رسمها فى خياله تنهار فجأة وتظلم الدنيا امام عينيه
قال مستدركا
"انا برئ ياعمى... لو مكنتش برئ مكنوش خرجونى"
"برئ او برئ ميهمناش... انا مش هربط حياة بنتى ومستقبلها بواحد اخلاقه زى اخلاقك وميعرفش ربنا"
"بس انا... انا بحبها وعايز اعتذر لها"

سمع صوت هاجر من خلف والدها
"معنديش حاجة تانية اقولهالك ياوليد اكتر من اللى بابا قاله... لو سمحت متجيش هنا تانى"
وليد اغرورقت عيناه بالدموع واختنق صوته
"سامحينى ياهاجر وادينى فرصة "
"كان ممكن اسامحك فى اى حاجة الا خيانتك ليا... بعد اذنك... يالا يابابا"
تقدمت هاجر والدها وهى تغلق الباب فى وجه وليد

هبط وليد الدرج منكسرا يجر اذيال الخيبة يذرف دموع الندم على ضعفه امام لحظات سعادة عابرة  كانت السبب فى ضياع حبه وقتل احلامه وسعادته الابدية كما كادت ان تودى بحياته ظلما.


                                 تـــــمــــت