الأحد، 25 مايو 2014

ابغض الحلال - الجزء الثانى - الحلقة 5

الحلقة 5

"نااااااادية"
فتحت نادية عينيها الدامعتين وهى تنظر حولها...نهضت بفزع ترد على يحيي
"ايه ده؟ انا عايشة؟؟!!"
"انا صحيت على صوت عياطك...مالك؟"
"بكت بشدة وهى تقترب منه ...تسند رأسها على صدره لتشعر بالامان
"انا خايفة اوى يا يحيي... كابوس فظيع حتى ملحقتش اشوف البنت"
حاوطها بذراعه لطمأنتها
"بعد الشر يا حبيبتى... ده من كتر تفكيرك وخوفك"
"يحيي اوعدنى انك تنفذ وصيتى"
"نادية ...كفاية كلام وحش وتشاؤم... انتى مش اول واحدة تولد"
"خايفة اوى"
"من ايه يا حبيبتى... انتى الحمدلله صحتك كويسة والبنت كمان ان شاءالله هتكون كويسة والمستشفى كبيرة والدكتور بتاعك ممتاز"
"اميرة محدش لحقها"
"عمرها ونصيبها كده... واطمنى انا مش هسيبك... غمضى عنيكى ومتفكريش فى حاجة وانا هقرالك قران لحد ما تنامى"
رضخت نادية لأمره... اغمضت عينيها وهو يمسك برأسها ويتلو ما تيسر من السور القرانية القصيرة

                          ******************

تجمعت العائلة
سمير ونسمة ونوال ... سعاد ومديحة ووالدة يحيي
فى غرفة نادية التى تجلس بها استعدادا للولادة
لم تستطع ان تقاوم خوفها كما لم تستطع مواجهته
فاستسلمت ان ارادة الله لا راد لها وظلت تتمتم بآيات القران الكريم والدعاء لعلها تهدأ قليلا
جاءت الممرضة
"يالا يا مدام"
نظرت نادية حولها للجميع وكأنها تودعهم... لكن نظرات التشجيع واصوات الدعاء لها كانت ردا على نظراتها
تساءلت
"فين يحيي؟"
نظروا جميعا حولهم...فردت الممرضة
"جوزك؟"
هزت نادية رأسها ايجابا...فابتسمت الممرضة وهى تمسك يدها للذهاب لغرفة العمليات
"فى التعقيم... استأذن الدكتور انه يقف معاكى جوه اوضة العمليات بس الدكتور قاله لحد ماتاخدى البنج بس"

دخلت غرفة العمليات فوجدت يحيي ... نامت على سرير العمليات وهمس يحيي فى اذنها
"مش قلتلك مش هسيبك"
امسك يدها اليسرى... فلم تشعر بما يفعله الطبيب فى ذراعها الايمن... كل ما تتذكره هى نظرات يحيي المشجعة العاشقة.

حاولت فتح عينيها ولكنها لم تستطع .... شعرت بنفسها وسط اصوات صاخبة وما ميزته اكثر هو صوت بكاء مولود
حاولت فتح عينيها مرة اخرى لتجد يحيي ينظر لها بقلق
"نادية... حمدالله على سلامتك"
"انا ولدت؟"
اقترب منها يحيي وهو يقبل رأسها
"الحمدلله"
واقتربت نسمة تحمل الطفلة
"اتفضلى يا ستى شوفى بنتك واستلميها وعقبال لما تشيلى عيالها كمان...انا عملت بكلامك وفضلت معايا لحد ما قُمتى بالسلامة"
"خليها معاكى انا مش قادرة اتحرك...عايزة ابص فى وشها بس"

انقضى اليوم ولم يتركها يحيي ولا سمير ولا سعاد ... ولكن فترة العصر عادت نوال لبيتها وذهبت نسمة فى موعد عملها للمركز

أصرت نادية فى المساء على عدم المبيت فى المستشفى... فى البداية نصحها الطبيب أن تظل تحت الملاحظة الليلة فقط ولكنها رفضت بشدة حين شعرت ببعض القدرة على الحركة... أيدها يحيي
ولكن اثناء الاستعداد لمغادرة المستشفى
نهضت سعاد"نادية لازم تطلع عندى يا يحيي"
رد سمير معترضا"بيت ابوها مفتوح... وهو اولى بيها"
تردد يحيي بعدما شعر ببداية خلاف على وشك الحدوث..فاقترح
"طيب هى تطلع على بيتها احسن"
عقبت سعاد"ازاى واحدة والدة قيصرى وتطلع على بيتها...مينفعش يا يحيي دى لازم لها خدمة"
سمير"تيجى البيت ونسمة موجودة وانا هاخد اجازة"
سعاد "محدش يقدر يخدم الوالدة غير امها... وتعالى انت كمان يا يحيي اقعد معاها...انا البيت عندى مفيهوش غيرى انا واسلام"
وأردفت وهى توجه حديثها لسمير
"والبيت مفتوح اللى يحب ييجى يطمن عليها ينورنى"
جلس سمير صامتا...شعرت به نادية وبانكساره امام تصميم سعاد او ربما اقتناعه بمبررات سعاد التى تحتاجها نادية بالفعل
فسألته"بابا هتجيلى عند ماما ولا لأ؟؟"
أطرق برأسه ينظر للارض فى اشارة للرفض
فقالت سعاد مُرحبة
"انا دخلت بيتك علشان بناتى... انت كمان تقدر تيجى تطمن على نادية اى وقت"
رد مضطرا"متشكر... روحى معاها يا نادية"
نادية"هتجيلى؟"
رد على مضض... وهو يقترب منها يحتضنها
"طبعا يا حبيبتى... مقدرش مطمنش عليكى"

                           ********************
فى اليوم التالى لم يكن لدى نسمة محاضرات بسبب قرب انتهاء العام الدراسى... نهضت فى موعدها مع سمير... واثناء جلوسهما على الافطار
"هتروحى لمامتك امتى؟"
"شوية كده وعمتو جاية معايا ... هتروح لنادية امتى؟"
"مش عارف"
"طيب ماتستأذن بدرى من الشغل وتيجى لى هناك ونروح كلنا مع بعض"
"هتتغدى معاهم؟"
"لا ممكن احضر هنا اى حاجة سريعة ونبقى نيجى نتغدا وبعدين انزل"
قال بعد ان انهى افطاره"طيب انا طالع لعمتك قبل الشغل"
"اتصلك بيها؟"
"لا طالع لها"

تعجبت نسمة ولكنها لم تعطِ للامر اهمية كبرى... فوقتها ملئ بالمسئوليات الى تجعلها لا تلتفت للامور البسيطة
                        ******************

طرق سمير الباب على مديحة... فتحت له
"سمير!! تعالى اتفضل"
دخل سمير وجلس على اقرب كرسى
"انتى رايحة عند سعاد مش كده؟"
"اه كمان شوية لما يصحوا"
"طيب انا عايز منك خدمة معلش"
"عينيا"
اخرج من محفظته خمسمائة جنيه
"معلش لو تقدرى قبل ما تروحى تنزلى تجيبى لهم هناك شوية حاجات... يعنى فراخ ولحمة وشوية تموين للبيت كده لزوم مصاريف نادية وقعدتها هناك...انا فكرت انك تدي سعاد الفلوس بس خفت ترفض وتاخدها بحساسية فقلت لما تجيبى اكل احسن"
"حاضر"
"متجبيش منهم حاجة لنادية ولا لبنتها...انا هبقى اجيبلهم"
"تعيش وتجيب يا خويا"
نهض سمير
"نسمة هتعمل اكل هنا لحد ما تروحى تجيبى الحاجة وبعدين هبقى اعدى عليكم نرجع سوا... والله حكاية انى اروح هناك دى تقيلة على قبلى اوى بس مقدرش مطمنش على نادية وبنتها"
"معلش يا سمير... ماهى سعاد بتيجى وابنها بييجى يعنى خلاص كل واحد فيكم بيعمل علشان البنات"
وافقها سمير على مضض كالأمس... واستأذن ونزل
بعد نزوله اتصلت مديحة بنسمة وحكت لها ملخص مادار بينها وبين سمير...وفى نهاية المكالمة
"انتى هتنزلى امتى؟"
"لسه ياعمتو...هخلص شوية حاجات فى البيت واعمل غدا وبعدين انزل"
"طيب انا شوية كده هنزل وابقى اروح من بره بره عليهم"
"ماشى...نتقابل هناك"
                 
                      *********************

فى حوالى الحادية عشرة صباحا... انتهت نسمة من ارتداء ملابسها واستعدت للمغادرة...دخلت المطبخ تتأكد من غلقها للبوتاجاز قبل نزولها...عندما سمعت طرقات على الباب
ذهبت لتفتح... وجدت بلال امامها
"نسمة...ازيك عاملة ايه؟ ...ماما عندك؟"
قالها وهو يتجول بعينيه فى داخل المنزل بحثا عن مديحة... عادت لنسمة الذكرى الاليمة مرة اخرى
هى وحدها فى البيت...بلال امامها يخطو داخل المنزل
اوقفته بيدها وهى ترد الباب قليلا
"عمتو مش هنا"
تعجب بلال من عدم سماحها له بالدخول لحظات... ولكنه أيقن ان الحال تبدل بعدما حدث ولم يعد مرحبا به
فتراجع قليلا
"هى فين؟؟ انا خبطت عليها محدش فوق"
تذكرت نسمة ان مهما حدث سيظل بلال ابن عمتها...مديحة وبلال هم كل عائلتها بعد والدها وشقيقاتها
فاغتصبت ابتسامة لا تخلو من مرارة
"حمدالله على سلامتك الاول"
"الله يسلمك.. طمنينى ماما فين؟"
"عمتو زمانها رايحة عند ماما"
"مامتك!! ليه؟؟"
"نادية ولدت امبارح جابت فريدة"
رد بلال بفرحة حقيقية
"بجد...الف مبروك"
"الله يبارك فيك... انت جيت فجأة؟"
"اه...قدمت الاجازة ومحبيتش اقول لماما وخليتها مفاجأة احسن"
"طيب هتصلك بيها اقولها تيجى"
"معاكى مفتاح الشقة فوق؟"
"اه...ليه؟"
"طيب ممكن اجى معاكى ولا فيها مشكلة...افاجئ ماما وكمان اشوف نادية وبنتها"
"لا مفيش اى مشكلة...تنور"
"هدخل الشنط واغير بسرعة وانزلك"
"ماشى... ثوانى اجيب لك المفتاح"
ترددت نسمة ...هل تغلق الباب تماما...هل تتركه مفتوحا... لاحظ بلال ترددها
"ادخلى وانا هستناكى هنا"
جذب الباب وكأنه سيغلقه... ووقف ظهره للشقة...حتى عادت نسمة بالمفتاح مرة أخرى.

أثناء جلوسهما فى التاكسى...كل منهم ملئ بالمشاعر المتضاربة تجاه الاخر
نسمة لم تكن تتوقع فى احد الايام ان حبها الكبير لبلال سيتلاشى ويحل محله لا شئ... نعم لاشئ فلا هى تكرهه ولا تحبه كما كانت
كلما تذكرت معاملته السيئة لها وجرحه الدائم لها وتهربه منها بعد ماحدث...تعود وتتذكر انه لم يتركها تواجه المصير وحدها يكفى انها مازالت امام والدها ...طفلته البريئة .

اما بلال... فقد شعر كم كبرت نسمة فى السنة ونصف الماضية
لم تتغير ملامحها ولكن...تغيرا كبيرا حدث فى شخصيتها... يشعر به رغم انه لا يعرف كُنهه
هل كرهته؟؟ لم يكرهها يوما فهى وشقيقاتها... أخواته
يحبهن... ويؤلمه ان تكرهه احداهن
ولكن ... ان كرهته نسمة فلها المبرر فى ذلك
كم من الليالى التى قضاها وحيدا يسترجع علاقته بنسمة فى الاونة الاخيرة قبل سفره...فلا يجد سوى ان ينعت نفسه بالنذل مع شعوره بالندم... ولكنه يتذكر اخر لقاء لهما عندما اخبرته انها تسامحه ...يرتاح ضميره فترة...ثم يتكرر نفس الموقف .

                           *******************

فى المساء... كانت نادية استردت بعضا من عافيتها...تسمح لها بالجلوس والتحرك داخل المنزل بمساعدة سعاد
جلست على السرير ترضع ابنتها... ويحيي يجلس قبالتها ينظر لهما
سألها
"طيب بذمتك حاسة بإيه دلوقتى؟"
ردت وهى تنظر لفريدة
"احساس ميتوصفش يا يحيي... فرحانة اوى وبحبها اوى وبحبك اوى ونفسى اشوفها وهى بتكبر قدامنا ...احساس ربنا ميحرمش حد منه يارب ويرزق كل مشتاق"
"امين يارب"
مد يحيي اصبعه يمسك اليد الصغيرة...التى التفت اصابعها على اصبعه...فاقترب منها يقبلها
"عارفة يا نادية... انا دلوقتى فهمت ليه باباكى كان بيحاول يخبى دموعه طول ما انتى فى العملية...وفهمت كمان انه مع رفضه انه ييجى هنا مقدرش ميجيش... انا شايف فريدة بقالى يوم واحد بس وحاسس انها اخدت قلبى"
"ربنا يخليها ويخليك لينا"
"ويخليكى لينا وتجيبى لها اخوات تانيين كتير تلعب معاهم"
نظرت له بجدية
"انت بتهزر صح ؟ ... انا كنت حاسة انى لو مش هموت من الولادة هموت من الخوف اللى كنت فيه"
ضحك يحيي
"مش وقته الكلام ده... الحمدلله خلصنا من الرعب اللى كنتى عايشاه وخلى اى كلام تانى لوقته"
ابتسمت وهى تربت على ظهر فريدة بعدما انتهت من ارضاعها
"انت مش رايح المكتب النهاردة؟"
"مش عايز اسيبكم... مفيش مواعيد مهمة النهاردة"
فرحت نادية لبقاء يحيي بجوارها... بعد قليل قاطعهما رنين هاتفه
فنظر يحيي للهاتف...وجد اسم عبير
"هقوم ارد من بره...الشبكة هنا وحشة"
خرج من الغرفة.... واقترب من الشباك وهو يرد
"الو"
"يحيي...انت فين؟"
"خير؟"
"عايزاك فى المكتب بتاعنا"
"لازم النهاردة؟"
"ايوه ضرورى...قدامك قد ايه وتيجى؟"
"ساعة"
"طيب متتأخرش"
اغلق مع عبير الهاتف... ودخل لنادية
"حبيبتى معلش ...جالى تليفون شغل ولازم انزل"
"ولا يهمك...ربنا معاك يا حبيبى"
"اجيبلك حاجة وانا جاى؟"
"لا عايزة سلامتك...بس اسأل ماما قبل ماتنزل يمكن محتاجة حاجة"
"حاضر... مش هتأخر"
"براحتك يا حبيبى"

                         *******************

كانت السعادة تغمر مديحة بعد عودة وحيدها...قضيا نصف اليوم عند سعاد...ثم مع سمير ثم جلسا معا يتحدثان كل عن اخباره طوال الفترة الماضية.... واثناء تناول العشاء معا
"ماما...انا قدمت الاجازة ومحبيتش اقولك ليه علشان مزعلكيش"
"ليه ؟؟هو ايه اللى حصل؟"



الجمعة، 23 مايو 2014

ابغض الحلال - الجزء الثانى - الحلقة 4

الحلقة 4

بعدما تناولت نسمة الغداء مع سمير... اعدت الشاى وذهبت للجلوس معه...ناولته كوب الشاى
"البيت فِضى علينا ياحاج"
"آه والله... الواد صبرى كان عامل لنا حِس فى البيت"
"يالا ان شاءالله هو والبيبى اللى جاى يملوا عليك البيت يا بابا جدو"
"وعقبال ما اشيل ولادك انتى كمان"
"لا سيبك من ولادى دلوقتى وخليك فى امهم علشان فيه موضوع خطير عايزة احكيهولك"
انتبه سمير وهو يحثها على تكملة الحديث
"خير يا نسمة؟"
وقصت عليه نسمة ما حدث منذ أن سأل عليها دكتور حشاد يوم الخميس حتى مقابلتها له فى مكتبه اليوم... بعد ان انتهت سألها سمير
"هو متابعك من السنة اللى فاتت؟"
"ايوه"
"والدكتور ده سنه كام؟"
"معرفش كام بالظبط بس راجل كبير"
"وسمعته؟"
"محترم جدا ... يابابا هو لو مش كويس انا كنت فكرت فى كلامه"
"انتى بتفكرى؟"
"ايوه"
"طيب انتى بتسألينى ولا بتحكى لى عادى؟"
"انا قلتله انى مش هعمل حاجة الا لما استأذن بابا الاول... وطبعا مش هعمل حاجة غير بموافقتك وفى نفس الوقت لو رغبتى اشتغل اكيد مش هتمنعنى"
ابتسم وهو يقول
"وجايبة الثقة دى منين"
ردت ضاحكة
"متهيألى احنا عايشين مع بعض من زمان"
"انا رأيي تستنى لما تتخرجى وبعدين تبقى تشوفى الشغل اللى يناسبك...انما الدراسة مع البيت مع الشغل هيبقى كتير عليكى اوى"
"انا بقول اجرب ولو لقيت نفسى مش قادرة او مستوايا الدراسى قل يبقى اوقف شغل وخلينى على قد الدراسة"
"كتير يا نسمة... هيبقى ضغط عليكى من كله"
"بس فرصة واخاف اضيعها متتعوضش تانى"
"الفرص ارزاق وكل واحد بياخد نصيبه"
"ايوه طبعا... بس حاليا اللى متخرجين ومنهم بتقديرات عالية مش لاقيين شغل وانا جاتلى الفرصة دى من السما...اضيعها ليه؟"
"يعنى عايزة توافقى؟"
"اه"
"طيب عايز اشوف الراجل ده والمكان اللى هتشتغلى فيه ...لو حسيت بأى قلق بلاش منه الشغل ده"
صمتت نسمة لحظات
"انا معايا الكارت بتاع مركز الترجمة... اتصل بيه واقوله بابا عايز يقابلك؟"
"تمام كده...وبعدها نقرر"

                       ********************

فى المساء...فى مكتب يحيي
اتصل بعبير... وبمجرد ان سمعت صوته
"يحيي... ابن حلال كنت لسه فى سيرتك"
"خير...مع مين؟"
"كنت بتكلم مع هانى من شوية وقلت له انه مش فاضل غيرك يرد عليا"
"كلهم وافقوا؟"
"اكيد... وانت ايه الاخبار؟"
"موافق"
"مبروك... تحب تشوف المكتب امتى؟"
"اى وقت"
"خلاص هبقى اكلمك اقولك تيجى تشوفه امتى...بس طبعا الديكورات هتتغير تماما يعنى اللى هتشوفه بس المكان والمساحة سيبك من اى حاجة تانية"
"ماشى يا عبير ...هستنى منك تليفون فى اقرب وقت"

                      ********************

حدد دكتور حشاد مع نسمة موعد فى مركز الترجمة كما طلبت منه... وأخبرته ان والدها يريد مقابلته حتى يأذن لها بالعمل

ذهب سمير ونسمة فى الموعد المحدد... المركز عبارة عن شقة فى عمارة قديمة فى وسط البلد
مجموعة من الغرف مفتوحة الابواب بكل غرفة ثلاثة مكاتب... وغرفة مستقلة بها سكرتارية ومنها لمكتب دكتور حشاد

خرجت السكرتيرة من مكتب حشاد
"اتفضلوا... الدكتور فى انتظاركم"
دخلا ... استقبلهم دكتور حشاد بترحاب شديد... جلسا امامه فبدأ كلماته
"نورتنى يا افندم"
"متشكر... انا حبيت اتعرف بحضرتك لما نسمة قالتلى على عرض الشغل هنا"
"حقك طبعا انك تطمن على بنتك... الشغل هنا زى ما حضرتك شايف مركز ترجمة وفيه عندى ولاد وبنات خريجين ألسن وتربية وآداب والشغل بيبقى فترتين وطبعا علشان نسمة بتدرس فهتشتغل بالليل بس وفى الصيف تبقى تختار براحتها لو تفضل بالليل بس او تغير وتبقى الصبح"
كان سمير يستمع وهو يلاحظ كل ماحوله حتى يطمئن... فقبل دخوله لاحظ انهماك الموجودين فى العمل وكثرة المترددين على المركز... كما لاحظ مجموعة من الصور على جدار المكتب فى الجهة المقابلة لبعض الشهادات وشهادات التقدير
فى احدى الصور حسين مع سيدة اجنبية تقاربه فى العمر... وفى صورة اخرى شابة وزوجها وطفلين...فاستنتج انها اما صورة ابنه وزوجته او ابنته وزوجها... والطفلين احفاده
تطرقا لموضوعات مختلفة سريعة ...ولم يشأ سمير ان يطيل فى لقاؤه حتى لا يسبب اى ازعاج
فأستأذن فى المغادرة... وسأله حسين
"يا ترى نسمة هتبقى معانا ولا ايه؟"
"اذا كانت هتقدر توفق من غير ما مستواها يتأثر فأنا معنديش مانع...كفاية انها تبقى مع حضرتك"
"متشكر يا استاذ سمير... ها يا نسمة...معانا ؟"
"ان شاءالله يادكتور"
"خلاص من اول الشهر تيجى الساعة 6 ومعادك ل 10 ونص ان شاءالله"

انتهت المقابلة... وخرجت نسمة تتأبط ذراع سمير
تمشيا فى وسط البلد... وقفا امام بعد المحال واشترى لها جاكيت دون ان تطلب... تعشيا معا... آكلا آيس كريم وعادا للمنزل بعد منتصف الليل بقليل
قبل ان تدخل نسمة غرفتها...اقتربت من سمير وتعلقت برقبته وهى تقبله من وجنتيه ثم يده
"حبيبى ...شكرا على الفسحة الحلوة دى"
"المهم تكونى اتبسطتى"
"طول ما احنا مع بعض انا مبسوطة"
"ودى اكتر حاجة تسعدنى.. لما بشوفك انتى واخواتك مبسوطين"
"ربنا يخليك لينا يا احن أب فى الدنيا"
"ويخليكوا ليا... ليا عندك طلب"
"اؤمرنى يا حبيبى"
"اى حاجة تضايقك فى الشغل الجديد تقوليلى... وبلاش تقولى لحد بالظروف اللى مريتى بيها قبل كده... مش كل الناس كويسين"
"حاضر... متقلقش عليا"
                    
                      ********************

جلس رامى مع نوال على العشاء...بدا مترددا شاردا
فسألته نوال
"مالك يارامى... بتسرح كتير ليه النهاردة؟"
"مش عاجبنى الوضع اللى احنا فيه"
"وضع ايه؟"
"انك مقاطعة امى يانوال... بقالنا 5 شهور راجعين مفكرتيش حتى انك تزوريها"
"بقولك ايه يارامى... احنا عايشين كويسن ...انت كويس مع مامتك وكويس معايا... خلينا بقى كويسين على طول وانا ومامتك بعيد عن بعض"
"بس انا مش عاجبنى الوضع ده"
"مش عاجبك انت ولا مش عاجب مامتك؟"
"الوضع ده ميعجبش حد... مش معقول اخواتى واجوازهم وولادهم بيروحوا لها وانا اللى بروح لوحدى او انا وابنى لوحدنا...ميصحش كده ابدا"
"يصح اللى كانت بتعمله فيا"
"انتى قلبك اسود ليه... ما انتى ابوكى دخلنى المحكمة ومع ذلك بروح عنده عادى"
"لو قلبى اسود صحيح مكنتش رجعتلك بعد اللى عملتوه فيا... لو قلبى اسود صحيح مكنتش استحملت يتقفل علينا باب واحد بعد ما فقدت الامان معاك فى بيت اهلك... لو قلبى اسود صحيح مكنتش وافقت ان ابنى يروح عند اللى ظلمتنى وبهدلتنى وبهدلت اهلى"
نهضت نوال... ذهبت لغرفة صبرى تبكى بعدما تذكرت الايام السوداء التى عاشتها فى منزل اهل رامى
ظل رامى مكانه يفكر ... هل يصمم على طلبه منها العودة لزيارة والدته...ام يتركها كما تشاء ويكتفى بذهابه مع صبرى
مضت نصف ساعة وهو مكانه...بعدها ذهب يبحث عنها فى غرفتها فلم يجدها...ذهب لغرفة صبرى فوجدها جالسة بعيونها الدامعة بجوار صبرى الذى استيقظ من صوت بكائها
جلس على طرف السرير قبالتها
"انتى كل ده بتعيطى؟"
"انت مش عايزنا نعيش كويسين مع بعض ليه... احنا طول الفترة اللى فاتت عايشين مبسوطين ومفيش بيننا مشاكل...ليه عايزنا نرجع للمشاكل تانى"
"امى مشاكل يا نوال"
"يا سيدى امك على بلسم بس خلينا بعيد عن بعض"
"انتى كده بترتكبى ذنب... بتقطعى صلة رحم"
"انا لا منعتك ولا منعت ابنى منها... انا مش قادرة اروحلها ولا عايزة اتعامل معاها...ارجوك يارامى ارحمنى بقى من السيرة دى"
رد مستسلما
"طيب يانوال... انتى حرة"
تركها... وقبّل صبرى قبل ان يغادر الغرفة وهو يقول
"انا داخل انام...تصبحوا على خير"

                       *********************

على مدى الشهور الماضية استطاعت نسمة ان توفق بين دراستها وعملها...ساعدتها عمتها كثيرا فى تحمل مسئولية البيت بدلا منها دون ان تطلب... نجحت بتفوق فى الترم الاول مما طمأن سمير ... كما اطمأن من بعد مقابلته لحسين حشاد مع الاطمئنان الدائم من نسمة على عملها ودراستها

أما يحيي فقد تابع مع عبير وزملاؤه اعادة تأسيس المكتب مما اخذ شهورا طويلة ...واقترب موعد الافتتاح وبدء العمل مع اقتراب موعد ولادة نادية

                      ********************

فى احدى زيارات المتابعة فى الشهر تاسع لنادية
وبعد توقيع الكشف... والسونار
جلس الطبيب امامها وتكلم بكل هدوء
"وضع الجنين معكوس... والمياه بتقل"
ارتعبت نادية فسألته بقلق...فى نفس الوقت الذى سأل يحيي
"يعنى ايه؟"
رد الطبيب بنفس هدوءه
"ولا حاجة... بكرة الصبح ان شاءالله تيجى لى تولد قيصرى"
نادية"هنا؟؟؟"
الطبيب"اه هنا"
صرخت نادية"لا طبعا...انا لازم اولد فى مستشفى كبيرة ومُجهزة"
رد يحيي محاولا التخفيف من وقع عصبية نادية
"يعنى يادكتور بنقول لو مستشفى مُجهز يكون افضل من العيادة هنا"
مطّ الطبيب شفتيه وهو يرد
"انا عندى هنا غرفة عمليات مجهزة... والمدام مفيش عندها حاجة تقلق"
نظر يحيي لنادية فرأى شحوب وجهها...فقال
"معلش يا دكتور... لو ممكن فى مستشفى كبير يكون احسن"
الطبيب" مفيش مشكلة... انا بتعامل مع اكتر من مستشفى اختاروا منهم اللى تريحكوا... بس هتبقى مصاريف اكبر من هنا"
يحيي" مش مهم المصاريف... المهم تقوم بالسلامة"

                  ************************

فى السيارة وبعد نزول يحيي ونادية من عيادة الطبيب... ظلت نادية شاردة صامتة لا تتكلم اطلاقا...فقط شحب وجهها فجأة ولم يعد كما كان قبل زيارة الطبيب... فجأة قالت
"عايزة اروح لبابا"
نظر يحيي فى ساعته...فوجدها الحادية عشرة
"دلوقتى يا نادية؟؟"
هزت رأسها ولم تجب...فأكمل يحيي
"لما نروح نبقى نكلمه فى التليفون يقابلنا فى المستشفى الصبح"
سالت دموع نادية على وجنتيها
"ودينى دلوقتى يا يحيي... علشان خاطرى عايزة اروح لبابا"
لم يتحمل يحيي مقدار الالم والخوف الذى بدا فى صوتها
"حاضر"

                        *******************

ارتمت نادية بين ذراعى والدها وهى تبكى بمجرد ان فتح لها الباب
فسأل بقلق
"مالكم؟؟ انتوا متخانقين ولا ايه؟"
رد يحيي وهو محرج
"ابدا والله... احنا كنا عند الدكتور ونادية صممت انها تيجى دلوقتى"
سمير"بتعيطى ليه يا نادية... مالك؟"
ردت وهى تمسح دموعها وتحاول ان تبتسم
"مفيش... حبيت اجى اقعد معاكم شوية...هى نسمة مش هنا؟"
"لسه راجعة...بتغير هدومها"
ردت نادية بسرعة"انا داخلة لها"
دخلت نادية وجلس يحيي مع سمير... الذى سأله متأكدا عم حدث فحكى له يحيي تفاصيل كلام الطبيب وماحدث بالضبط حتى وصلا.

فوجئت نسمة بنادية تدخل عليها الغرفة
"ايه ده؟؟ جيتى امتى؟؟ مالك انتى معيطة"
حضنت نسمة وقبلتها وهى تطمئنها...ثم امسكت يدها وجلست بجوارها على طرف السرير
"نسمة... انا عايزة اقولك كلمتين بس اسمعينى ومتقاطعينيش"
ردت نسمة بقلق بالغ
"فيه ايه يانادية؟"
"انا رايحة اولد بكرة"
"مبروك ياحبيبتى"
"نسمة... انا خايفة ومش مطمنة... لو حصل لى حاجة اوعدينى انك تخلى بالك من بنتى"
ردت نسمة بدموعها التى سالت مع دموع اختها
"ايه اللى بتقوليه ده... ان شاءالله تقومى بالسلامة وتربى بنتك انتى وباباها"
"اوعدينى يا نسمة... انا عارفة انك احن واحدة ممكن تكون ام لبنتى... اوعى تسيبيها... انا متكلمتش مع يحيي بس هوصيه انى لو جرالى حاجة يسيبلك البنت من غير مشاكل...علشان لو حب يتجوز"
ولم تستطع ان تكمل... زاد بكائها...حضنتها نسمة وهى تبكى معها

                         ********************

كل لحظة تمر امام باب غرفة العمليات... تزيد من توتر وقلق الموجودين
تناهى الى مسامعهم صوت بكاء الطفلة... وانفتح باب غرفة العمليات
اقتربوا جميعا من الممرضة التى تحمل الطفلة... اخذتها نسمة وهى تبتسم فى وجهها الملائكى
لم تنظر لسمير ويحيي...فقط سمعتهما يسألا الممرضة عن الام
جاءت كلمات الممرضة باردة قاسية
"البقاء لله"
ارتفعت عيون نسمة مع وقع الكلمة فى اذنيها...فوجدت سمير وهو يسقط مغشيا عليه ودموع يحيي تغرق وجهه وهو يحاول ان يسند سمير... فضمت الطفلة وهى تبكى وتصرخ
"نااااااادية"




الأربعاء، 21 مايو 2014

ابغض الحلال - الجزء الثانى - الحلقة 3

الحلقة 3

وقف يحيي مترددا...يفكر فى سبب مجيئها له وبحثها عنه بعد تلك السنوات... هل يقبل دعوتها على الغداء؟؟
لاحظت عبير تردده... فأكدت
"تحب نروح مكتبك؟"
"مينفعش تقوليلى هنا؟"
رفعت حاجبيها اندهاشا
"يا سلام؟؟!! هخطفك يا يحيي ولا ايه؟"
اجاب بسرعة
"لا طبعا يا عبير...انا بس مش عايز اتأخر...اصل مراتى مبتتغداش من غيرى"
"طيب خلاص نقعد فى اى حتة قريبة نشرب حاجة ونتكلم...معاك عربية؟"
"ايوه"
"طيب هركب معاك وتبقى ترجعنى لعربيتى"

                          ********************

وصلا معا لكافيه قريب... جلسا ..واشار يحيي للجرسون
"تشربى ايه"
"قهوة مظبوط"
فكرر يحيي الطلب للجرسون
"2 قهوة مظبوط لو سمحت"
ذهب الجرسون... ونظر يحيي فى ساعته بقلق..فعلقت عبير
"ياااه... للدرجة دى مستعجل"
"ما انا بصراحة مش فاهم حاجة...بتدورى عليا ونقعد ونتكلم؟؟ طيب ادينا قعدنا"
تبدلت لهجة عبير
"عايزاك فى شغل يا يحيي... متهيألى مفيش بيننا غير الشغل ومن زمان"
"احنا مفيش بيننا حاجة خالص من زمان يا عبير...لا شغل ولا غيره"
"واضح انك لسه شايل منى ...كنت فاكرة السنين نسيتك"
ضحك ساخرا
"والله ولا شايل ولا اى حاجة... واللى حصل اتنسى من زمان ومفتكرتوش غير لما جيتى النهاردة"
"طيب كويس اوى... عندك استعداد نشتغل مع بعض؟"
"هنشتغل مع بعض ايه؟"
قاطعهما الجرسون...فانتظرت حتى وضع القهوة وغادر
"بص يا سيدى.. جوزى اشترى ارض وهيعمل عليها الشركة بتاعته والشركة بتاعته مبقاش محتاج لها فانا أقنعته انى اخدها منه... الشركة فى شارع البطل احمد بن عبد العزيز مساحتها كبيرة ومكانها مميز جدا"
يحيي مبتسما"مبروك عليكى...اختيارك كان موفق"
"انت بتتريق؟"
"لا ابدا والله... انا بس اتأكدت ان اللى حصل زمان كان كويس لينا احنا الاتنين"
"بص يا يحيي ...تعالى نتعامل مع بعض من جديد...يعنى ننسى زمان خالص"
"ما انا قلتلك انى نسيته... بس الحقيقة يعنى انا مش فاهم دورى ايه فى شركتك الجديدة...آآآه عايزانى امسكلك الشئون القانونية؟"
"لا يا يحيي...انا اصلا مش هاخدها شركة سياحة زى ماهى"
"اومال ايه؟"
"انا عايزة ارجع اشتغل تانى...واكيد لو لسه هبدأ من الصفر هاخد وقت طويل جدا...فأنا فكرت انى اعمل الشركة دى مكتب استشارات قانونية كبيرواضم فيه افضل واحسن واشطر زمايلى القدام...اللى انت واحد منهم طبعا...منها انا اشتغل فى وسطكم واتعلم بسرعة واعوض السنين اللى فاتتنى ومنها انتم كمان تشغلوا المكتب باسمكم وسمعتكم... اتعاب القضايا هيكون للمكتب نسبة منها"
"بس انا عندى مكتبى وشغال الحمدلله"
"مقلتش حاجة... بس انت مش متخيل علاقاتى الاجتماعية عاملة ازاى ومن اى طبقة... ومكتب زى اللى بكلمك عنه ده والناس اللى اعرفهم مستوى تانى خالص غير مكتبك وموكلينك واسفة مقصدش تقليل ابدا...انا بس عندى طموح كبير ومتحمسة ليه"
"كلمتى حد تانى غيرى؟"
"اه... هانى سعيد واحمد عفت ومصطفى شاكر"
"ده انتى مركزة فى اختياراتك تمام"
ردت بحسم"شغل يا يحيي... وانا متابعة شغلكم بقالى فترة واختيارى مش عشوائى"
"وافقوا؟"
"فيه اللى وافق وفيه اللى بيفكر... انت بقى هترد عليا ولا هتفكر؟"
"ادينى وقت افكر وارد عليكى"
ردت وهى تأخذ هاتفه من امامه وتسجل
"ده رقمى...فكر ...بس متتأخرش عليا"

                      *******************

وقفت نوال امام التسريحة تضع بعضاللمسات الاخيرة من مساحيق التجميل بيدها اليمنى... وتمسك هاتفها باليد اليسرى
"الحمدلله يا ماما...ماشية على نصيحتك ورامى الحقيقة شايفاه محتار بيننا"
"واحدة واحدة يا نوال...المهم تبقى لوحدك بعيدة عن تحكماتها"
"تحكماتها ورايا ورايا برضه...تصدقى صممت ياخد صبرى ويروح لها امبارح والنهاردة...امبارح اخده من بعد صلاة الجمعة لحد الساعة 8 باليل لما كنت هتجنن عليه"
"معلش هى بقالها شهور مشافتوش"
"انا خايفة اوى يا ماما"
"من ايه؟"
"خايفة صبرى يتعلق بيها تانى زى الاول... انا ما صدقت انه عرفنى واخد عليا"
"الشهور الاولانية دى اتنست بقعدته معاكى عند باباكى... متخافيش وسيبى رامى يروح لها هو وصبرى... اهو يبقى عندك وقت تهتمى بنفسك"
ضحكت نوال وهى تقول
"تصدقى مستغربنى وبيقولى كأنى واحدة تانية...حتى انا لما ببص فى المراية بستغرب...انا هناك كنت شبه الشغالين لبس جوازى والله ماكنت بعرف البسه زى اى عروسة"
"خلاص بقى يانوال...انسى الايام الزفت دى ومتفكريش فيها علشان متجريش على نفسك مشاكل"
"حاضر...ربنا يستر بس وتفضل بعيد عنى... مش مطمنة وحاسة انهم يومين وهيخلصوا"
"بقولك ايه... اوعى تكررى نفس الغلطة وتسكتى... لو غلط فى حقك قولى لباباكى وهو يقف له... لما شافوكى من غير سند باعوا واشتروا فيكى...انما لما باباكى وقفهم عند حدهم كل حاجة اتصلحت"
"معاكى حق... مش هتيجى لى شوية"
"لا ... انا هتفق مع اخواتك فى يوم تيجوا كلكوا تتغدوا عندى وابقى اقولك"
"ماشى يا ماما...سلمى على اسلام"
انهت نوال المكالمة..واقتربت من المرآة اكثر تتأمل وجهها
كم تغيرت... كم تؤثر الحالة النفسية على الشكل الخارجى فتتبدل الاشكال من حال لحال.

                     *********************

عاد يحيي بعد مقابلته مع عبير... مقابلة لم يتوقعها
دخل البيت وجده هادئا... تعجب لان اليوم السبت وهو موعد دروس لنادية وفى هذا الموعد تحديدا تكون على استعداد للخروج

دخل على غرفة النوم... وجد نادية نائمة... فكلمها بهدوء
"نادية"
فتحت عينيها وردت
"جيت يا يحيي"
جلس بجوارها وسألها
"ايه مالك؟؟ انتى مش نازلة النهاردة؟"
"تعبانة"
"مالك؟"
"تقريبا ضغطى واطى...عندى هبوط من الصبح"
"مكلمتنيش ليه كنت جيت لك بدرى"
"محبتش اقلقك"
"طيب كنتى كلمتى مامتك ولا نسمة"
"يا حبيبى متقلقش...انا خدت نقط الضغط وهبقى كويسة ان شاءالله"
"طيب اطلب اجيب أكل؟"
"لا يا حبيبى انا عملت الغدا وكنت مستنياك"
ربت على يديها... ودّ لو انها سألته لمَ تأخر...ولكنه وجدها نامت فجأة قبل ان يبدل ملابسه... بدل ملابسه وأغلق الدولاب..وجدها استيقظت بنفس سرعة نومها
"يحيي... انت فاضى الصبح؟"
"عندى شغل...بس قوليلى عايزة ايه؟"
"طيب خلاص... اصل عايزة اروح اخد اجازة مرضى فكنت بشوف لو تقدر تودينى"
"اوديكى يا حبيبتى... هروح الصبح المحكمة اشوف مواعيد الجلسات واظبط امورى واكلمك تجهزى واجى اخدك"
"ربنا يخليك...يا ح..ب.."
وجدها نامت مرة اخرى بنفس السرعة... فابتسم وهو يتأمل وجهها الشاحب... تسحب بهدوء حتى لا يوقظها... وقام بتسخين الطعام واعداده لهما... وحضر طاولة صغيرة بجوار السرير وضع عليها الطعام... وهمس لها بهدوء
"نادية...قومى اتغدى"

                         *******************

انهت نسمة اول محاضراتها يوم الاحد الساعة 12 ظهرا...بمجرد ان انتهت المحاضرة
"يالا ياآيه"
"يالا ايه؟"
"نروح لدكتور حشاد"
"روحى له وانا هستناكى فى الكافتيريا...لاحسن يحرجنى"
"خلاص خليكى... انا ما صدقت النهاردة ييجى"

ذهبت نسمة لمكتب دكتور حسين حشاد... كان باب المكتب مفتوح ويقف امامه مجموعة قليلة من الطلبة والطالبات
وقفت نسمة مترددة على الباب... حتى رآها فأشار لها
"تعالى يا نسمة... ثوانى وهكون معاكى"
تقدمت بخطوات مرتعشة ... فلم تتصور ان لقاؤه فى مكتبه ومناداتها باسمها له هيبة بتلك الدرجة
وقفت بجوار الباب...دقائق حتى خرج الطلبة
"تعالى ...اتفضلى"
اشار لها بالجلوس... فجلست بعد ان شعرت ان قدماها قد تخوناها فى اقرب لحظة من شدة التوتر
"عاملة ايه فى الدراسة"
تنحنحت حتى يخرج صوتها...فخرج همسا
"الحمدلله"
"انتى هترجعى تغيبى تانى ولا ايه... مش كنتى ماشية كويس"
"انا اسفة بس كانت ظروف والله"
ولم تستطع ان تكبح جماح فضولها اكثر فسألته
"انا استغربت جدا لما حضرتك سألت عليا..مكنتش اعرف ان حضرتك تعرفنى وسط العدد ده كله"
أسند ظهره للخلف وهو يجيبها
"اكيد معرفش كل الدفعة بتاعتكم...بس انا اعرفك من الترم اللى فات ..كان اول ترم ادرسلكم فيه...استغربت فى نهاية السنة مين اللى ظهرت فجأة دى وبتهتم بالمحاضرات وبكل المطلوب منها كده ...أصل يا نسمة فيه ناس بتثبت تواجدها وانتى تفوقك لفت نظرى ليكى... وشايفك الترم ده كمان بتجتهدى ومش عايزك ترجعى للمستوى الاولانى"
قالت وهى تتذكر ما مرت به العام الماضى
"لا ان شاءالله هفضل على مستوايا الجديد"
"اتمنى ده... نرجع بقى للسبب اللى كنت عايزك فيه"
انتبهت نسمة بكل حواسها لتعرف السبب..فأكمل
"انا عندى مركز ترجمة... وفيه مكان فاضى ومحتاج حد ييجى يشتغل... ايه رأيك؟"
"أنا!!!!"
"اه... على فكرة دى فرصة كبيرة بالنسبة لك انك تشتغلى من دلوقتى"
"ايوه بس الدراسة"
"ده اكتر تدريب عملى يفيدك فى حياتك العملية... تفوقك يا نسمة هو اللى رشحك ليا...صدقينى الفرصة دى خريجين كتير مش لاقينها"
"طبعا دى حاجة تشرفنى والله يادكتور...بس القرار مقدرش اخده لوحدى...لازم استأذن بابا الاول"
أخرج دكتور حشاد من درج مكتبه كارت واعطاه لنسمة
"طيب انا مش جاى الكلية لحد يوم الخميس... لو حبيتى تردى عليا قبلها دى ارقامى"
نهضت نسمة وتناولت الكارت واستأذنت وغادرت المكتب

                        ****************

جلس يحيي شاردا على مكتبه فى المنزل...امامه اوراق قضية يعمل على دراستها ولكنه لا ينظر فى الاوراق بقدر ما يفكر فى عرض عبير
عندما رآها بالامس...تذكر سنوات ماضية فى اولى سنوات عمله
كانت زميلته بالمكتب الذى يعملان به... كانا الوحيدين حديثى التخرج فنشأت بينهما صداقة تحولت لرغبة فى الارتباط من جانب يحيي... صارحها برغبته فوافقت ... وعرف اصدقاؤهما وكان قاب قوسين او ادنى من التقدم رسميا لها ولكن عطلته الظروف المادية آنذاك
وفجأة... اخبرته عبير انه تقدم لها احد موكلى المكتب...رجل اعمال لم يسبق له الزواج يتمتع بسمعة طيبة كما يمتلك شركة سياحة
فهم يحيي ان مقومات شخصية العريس ليست الوحيدة التى رجحت كفة زواجها منه...بل ايضا مقوماته المادية
عانى يحيي فترة من الالم الذى سببته له...لم يكن جرح قلبه بقدر ماكانت جرحا عميقا لكرامته...تداوى مع الايام وطُوى الموقف برمته فى ركن قصى من ذاكرته
لم يعرف الحب الا عندما رأى نادية...ظهور عبير اليوم أربك تفكيره ...فقد ظن انها عادت لتحيي الامل من جديد...تصور انها طُلقت وعادت تستعيد ما فقدته من مشاعر ...ولكن يبدو ان شخصيتها لم تتغير على مدى السنوات الثمانى الماضية... فهاهى عائدة من اجل الطموح كما اخبرته

قاطعت نادية افكاره...وهى تسأله
"انت بتشتغل؟"
"المفروض بس كنت سرحان شوية"
"مالك؟"
"محتار"
وحكى يحيي لنادية عن حديثه مع عبير امس... لم يحكِ التفاصيل فلم يحكِ عن مقابلته لها خارج المحكمة ولم يحكِ عن جرح الماضى ...فقط اخبرها انها زميلة قديمة فقط
"وانت محتار ليه؟"
"يعنى ... مش عارف والله يانادية... مش مرتاح مش عارف ليه؟"
"بس انا متهيألى ان مكتب فى مكان زى ده فرصة كبيرة اوى يا يحيي ونقلة انت تستاهلها... بس المشكلة انكم اكتر من محامى فالقضايا هتتوزع ازاى؟"
" هى اختارت صح عرفت تختار كل واحد شاطر فى ايه وجمعتنا علشان يبقى المكتب متكامل يعنى مفيش تعارض لوجودنا مع بعض كل واحد بأسمه وقضاياه وموكلينه بالاضافة لمعارفها اللى بتقول عليهم والطبقة اللى بقت منها"
"خلاص يا يحيي يبقى ده رزق البيبى"
"يعنى رأيك اوافق؟"
"ايوه...توكل على الله"